الاعمدة

قراءة في أسماء أهل السودان

قبل أن يصرخ الوليد، بل ومنذ أن يبدأ الحمل، تنشغل الأسرة كلها باختيار اسم المولود، وتنقسم لقسمين، قسم يختار قائمة بأسماء الولد، وأخرى تعد لاسم البنت. هذا في الزمان الذي كان نوع المولود غياباً على الأم والأب، أما وقد أصبح الأمر معلوماً بفضل تقدم العلم، فقد انحصر الاختيار في قائمة واحدة، وعلى الرغم من ذلك، فإن الاختيار يحتاج لمذاكرة وحوار!! وقد يحسم النقاش في كثير من الأحيان ظرف يطرأ على الأسرة بوفاة للجد – إن كان أباً للزوجة أو أباً للزوج – أو (الحبوبة) – إن كانت أماً للزوج أو أماً للزوجة – عندها تبقى الذكرى حية فيُسمى الوليد بذات الاسم. وربما يطرأ أمر آخر يطرح اسماً مثل إعجاب ووفاء بصديق، أو تيمناً بشيخ، أو إعجاب بفنان، أو عشق لسياسي، أو كاتب، أو شاعر، أو حتى ممثل فاتن.
كان أهل السودان جميعاً، وربما ما يزال الكثير منهم، يُسمون بأسماء الأنبياء، وقد يغلب في جهة ما – كما سنرى – أسماء بعض الأنبياء، لكن اسم النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، بل كل أسمائه نجدها في كل بيت، بل أصبح شائعاً لدى الناس أن يكون الاسم للمواطن السوداني اسمين من أسماء المعصوم (محمد وأحمد) أُدمجا في اسم المواطن (محمد أحمد) ولهذا لا يخلومنه بيت.. وإن شاء الله يظل اسم النبي حَرَساً وبركة في كل بيت، بل بعضهم يسمي (محمد المصطفى).. (محمد المجتبى).. (محمد المختار).. (محمد العاقب)، ثم نجد أيضاً هذه الأسماء مفردة، (مصطفى)، (مجتبى)، (مختار)، (العاقب)، (الصادق)، (الخاتم)، وكذلك يطلقون على أبنائهم أسماء الأنبياء، فنجد في شمال السودان يكثر اسم النبي (صالح) و(إبراهيم) و(أيوب)، ونجد في غرب السودان يكثر اسم (إسماعيل) و(عيسى) و(موسى) و(يعقوب) و(هود) و(نوح) و(آدم) و(إسحق) و(ذو النون)، أما شرق السودان فإن اسم (محمد) و(الطاهر) و(صالح) اسم غالب.. وفي وسط السودان نجد جميع أوصاف النبي مسمى بها الأبناء، (الخير) (البشير) (الفاتح) (العاقب) (طه) (يس) (المدثر) (المزمل) (الهادي) (الصادق).
ثم تلي قائمة أسماء الصحابة وللعشرة الكرام منهم مكانة عليّة في التسمي بهم، (أبو بكر) و(عمر) و(عثمان)، أما (علي) فهو الحائز على نجمة الاختيار، ثم (طلحة) و(الزبير) و(أبو عبيدة) و(مصعب) و(حمزة).
ثم إن الراجح عندهم أن خير الأسماء بعد ما (حُمد) هو ما (عُبد).. فتأتي أسماء الله الحسنى.. ويزيدون عليها أسماء مثل (عبد الرازق) يبدلونه (عبد الرزاق) و(عبد المتعال) و(عبد المقصود) و(عبد الناصر) و(عبد الستار) و(عبد المعطي).
ثم هم يُسمون بأسماء الشهور العربية (رجب) و(شعبان) و(رمضان)، ومن أسماء أيام الأسبوع يختارون (جمعة) و(سبت) و(خميس).
وتجد بعضهم يسمي بأسماء القادة من أبناء السودان فيسمي (أزهري) و(عبود) و(نميري) و(المهدي) و(الصادق) و(الميرغني) و(نجيب) و(ناصر)، وهم يحتفون (بالنور) ويكرهون الظلام، ولهذا فإن الأسماء المشعة بالضوء والنور تحظى بقدر كثير من الأسماء.. ويزيدون (نورين) (ضَوّين)، ثم يطلقون على (النور) صفات (نور الدائم) و(نور الهدى)، ولا ينسون فتياتهم من قبيلة (النور): (نور الشام) (نورة) (أنوار)، ثم يدلفون لصفات في النور تزيده ضياء، (شمس الدين)، (قمر الدين)، (ضياء الدين)، (نجم الدين)، ثم يأخذون من نور القمر نوراً، (قمر الدولة) و(قمر) لبنت (قمرة)، ويصفونها (بالرتينة) و(الخُنتيلة) و(القمر الضَوَّ)، ثم يقولون اسماً لابن هو صفة صريحة، (مُنور)، (منير)، (الضو)،  (مصباح) و(النوراني)، بل يتعسفون في الوصف فيسمون (نهار) و(بدر).
وأحياناً كثيرة نجد بعض الأسماء تشترك في أسماء الأولاد والبنات مثل (إحسان) و(بشرى) و(رجاء).
هناك أسماء لرجال بأوصاف الحيوانات (الشجاعة) ويسمون بها الأبناء تيمناً ورجاء في أن يكونوا حماة للزمار والقبيلة، مثل (التِلب)، وهو إما أسد هصور وإما (تمساح عشاري)، و(اللحو) و(القلع) و(الرزم) أو (دابي الكُور) أو(العمسيب) أو (البرجوب)، وبالمناسبة (البرجوب) هو (الطين اللوك)، و(المناصير) يختارون أسماءً عصية ونادرة مثل (العصوم) و(عسوم) و(الفنجري) و(قلباوي) و(عشميق) و(دبلوك) و(الكاكالُود) – يعني السمك الكبار – و(عرزون) و(باجوري) و(شُتقر) و(نص الحِلة) و(السديس) وليس القارئ الكبير (السديس).
هناك أسماء هي صفات حمد مثل (النفيدي)، (الكرسني)، و(عشا الضيفان) و(عوج الدرب) و(السقيد) و(أبرسي) و(الباقر) و(الرزم) و(أبو قرجة) و(أبو عصاية).
وكانت أسماء البنات حصراً على إما من الصحابيات أو نتاج فقه الجماعة المنقول شفاهة من فم لأذن صاغية، فنجد اسم (فاطمة) في أولويات الأسماء وربما تُقرن (بالزهراء) وتسمى (زهرة) و(أم كلثوم) و(أسيا)، امرأة فرعون المؤمنة صاحبة (رب ابن لي بيتاً عندك في الجنة) ..و(أم  سلمة) و(بتول) و(آمنة) و(حفصة) و(مريم) و(عائشة) و(عيشة) و(مهيرة) و(رابحة) و(حد الزين)، ولا ينسون (زليخة) و(صالحة) و(ندى) و(رفيدة).
ثم جاء أثر السينما فدخلت على شهادات الميلاد أسماء الممثلات: (شادية) و(فادية) و(فاتن) و(زهرة العلا) و(أمينة) و(مديحة) و(صباح) و(ماجدة) و(هدى) و(تحية) و(كوثر)، ولم يقتصر الأمر على الممثلات وإنما جاءت أسماء الممثلين تقتحم أسماء الأبناء، سيما فرسان ذلك الزمان، الذين كانوا مثالاً للفتوة والأناقة والشباب: (فريد شوقي) جاء (فريد).. و(عماد حمدي) جاء (عماد).. و(يوسف وهبي) جاء (يوسف)، ثم جاء صريحاً اسم (المليجي).
ثم مع دخول التلفزيون وانتشار موجة المسلسلات (الممطوطة) لحد الغيظ، جاءت أسماء (مهند) و(نور) و(أنديرا)، ثم جاءت (الفرنجة) الكاملة في الأسماء فشهدنا أسماء لبنات سودانيات لا نعرف أصلها ونعرف صلتها بالهند (سُونا) و(سبنة) و(سوار)، ولا أدري هل جاءت مشاهدة قناة (Z) باسم (أمتاب) و(آل كابور)!!
ثم أتى على السودان حين من الدهر، ففتح الله على الأباء والأمهات بالعودة إلى اختيار أسماء لها دلالات دينية، ودخلت أسماء تحمل صفات للمؤمنات: (ساجدة)، و(تاليه)، (آية)، (سجود)، (آلاء)، (ترتيل)، (غفران)، (محبة)، (مودة)، (ضحى)، (نسمة)، (فجر)، (إخلاص)، (وفاء)، (نسيبة)، (نوار)، و(تنزيل).
ثم في أسماء الأبناء جاءت أسماء للصحابة: (أبو دجانة)، (شيبة الحمد)، (ابن رواحه)، (العباس)، (حسان)، (المثنى)، (مؤيد)، (عُدي)، (سُهيل)، و(صُهيب).
ومن الحدائق تم قطف بعض الأسماء: (نسرين)، (وردة)، (بنفسج)، (ياسمين)، (فله)، (نعناعة)، (جُلنار) و(رفيف).
وبعضهم يضيف لأسمه قبيلته، فيغلب اسم القبيلة على الاسم الأول، ويطيح اسم القبيلة بالاسم الأول فيبقى الاسم: (الشايقي)، (البطحاني)، (الرزيقي)، و(الفلاتي).
بل نجد في شرق السودان أسماء هي تحريف لصفة، مثلاً (شيخ) يصبح (أوشيك)، وكذلك اسم (أوهاج) و(أدروب) و(باكاش) و(دقنة) و(كِنتباي)، ويضيفون الولد للاسم (أبو فاطمة) و(أبو علي).
وفي غرب دارفور يغلب اسم (آدم)، (أدمو)، (اساغة)، (تجَر)، (بحر الدين)، و(جعفر)، وهكذا كل إقليم تسود فيه أسماء للأولاد والبنات.
غير أنهم جمعاً يصّرون على تسمية (التيمان) بأسماء تكاد تكون مصاغة بحيث لا ينفر اسم توأم عن توأمه، فيبدأون بالتيمن بـ (حمزة والعباس)، (الحسن والحسين)، (إبراهيم وإسماعيل)، (موسى وهارون).. هذا إذا كان التوأم من الذكور، أما إن كان غير ذلك، ولد وبنت فتكون الأسماء (سمير وسميرة)، (أمير وأميرة)، (فادي وفاديه)، (حسن ونعيمة)، أما إذا كانتا بنتين توأم فهما (صفا ومروة)، (عرفة ومزدلفة)، و(زلفة ومزدلفة).
ذكرت في حديثي أن تغييراً جذرياً قد حدث في الأسماء في الآونة الأخيرة، منها ما أشرت إليه في العودة والتنقيب في الأسماء ذات المدلول الديني وسُقت أمثلة تشير إلى ذلك النهج، غير أنني وبعد مراجعة الأسماء طلاب وطالبات في مراحل الدراسة المختلفة وجدت أن هناك فئة خالفت تماماً البحث عن المدلول الفقهي وانجرفت نحو منهل آخر هو محاولة كسر المعتاد وإضفاء الدهشة والتجديد باللجوء لأسماء يغلب فيها الرنين وسرعة التناغم بين حروف الاسم، وأيضاً هي (استِلاف) من ثقافة الانترنت و(الفيس بوك)، لهذا استعنت بابنتي (نبراس)، ونطلق عليها (دَلعّا) (نُوسة) فأتحفتني بقائمة من أسماء البنات والبنين.. كانت تقرأ عليَّ الأسماء وأسرح مستشرفاً الغد، حين تكون تلك الأسماء (لحبوبات) وأجداد، فينادي الأولاد: حبوبة (نادين)، حبوبة (لِيديا)، جدو (مُهند)، وجدو (شادي). وهناك قائمة بهذه الأسماء المدهشة: (نادين)، (سيرين)، (ميار)، (ألق)، (نوران)، (نرمين)، (ليديا)، (مادلين)، (جوليا)، (سمر)، (مأرب)، (هني) – يعني عسل – (رنيع)، (رنان)، (جُلنار)، (هايدي)، (ريما)، (أناهيد)، (جيداء)، (ماجي) – ليست الشوربة – (ساورا)، (وتمارا).
ومن أسماء الأولاد: (مهند)، (كريم)، (آسر)، (أمان)، (باسم)، (ماجد)، (بسام)، (مظفر)، (رافي)، (عزام)، (وسيم)، (كاظم)، (مؤيد)، (تامر)، (شهاب)، (جواد)، (رمّاز)، (رامز)، و(هزّام).
لا تندهش – أخي.. أختي – ولا تخجل أن تخطف من هذه الأسماء اسماً، فطالما هو منشور في (المجهر) فهو عليكم حلال وبلا رسوم..!
ولكن لا أستطيع أن أختم هذا المقال دون قراءة وتأمل في أسماء بعض وزراء الإنقاذ، وبفضل الحكم الفيدرالي تجد في الأسماء ما يوضح التنوع. فجاءت الأسماء دون ترتيب ولا قافية: (كبُر)، (كِبِِر)، (أبو كلابيش)، (تورين)، (كاشا)، (كُجر)، (كرتي)، (سحلول)، (البيلي)، (أبو شورة)، (قنيف)، (الجاز)، (كبشور)، (بلُوح)، (نافع)، (إيلا)، (مُطرف)، (نهار)، (مسار) و(شمار).
أما أسماء النساء من الوزراء فليس بينهن اسم غير معتاد، ربما تقول وأنت تقرأ هذا المقال ماذا يريد كاتب المقال أن يقول.. أقول أنا اتأمل وأقرأ في الأسماء، فلك أن تتخيل الأسماء في السودان بعد أربعين عاماً، هل سيكون طعم (الآبري) وملاح الويكة وبليلة رمضان في صينية (مهيار) و(وسيم) و(جيداء) و(ماجي) بنفس طعم صينية (سكينة) و(كلثوم)؟!! وربما تسأل وأين (سبدرات) من الأسماء؟
الإجابة (طاش ما طاش)!!

إغلاق