شهادتي لله

هل هي (ثورة)؟!

{ في مثل هذه الأيام، فائقة الحساسية، سريعة الإيقاع، ساخنة الأحداث، ملتهبة المواقف، ينبغي أن يكون حديث وتصريحات قادة الدولة موزوناً بميزان الذهب.
{ تكثر أخطاء الزعماء وكبار الساسة، حكاماً ومعارضين – على مر التاريخ والعصور – في مثل هذه الأيام.. عندما ترتفع درجات (المواجهة) بين الشعب والحكومة.. أي حكومة.
{ و(المواجهة) هذه ليست بالضرورة أن تكون مواكب (مليونية) هادرة، كما حدث في السودان في أكتوبر (1964)، وأبريل (1985)، بل قد تكون مواجهة (الغيظ المكظوم) و(الغضب المكتوم)، وتكون أيضاً (مواجهة مليونية).. وهادرة!!
{ أنا لا أقصد – بالتأكيد – ما يحدث منذ أسبوع في شوارع بعض أحياء “الخرطوم” من (حرق) مستمر لإطارات السيارات بواسطة (صبية) صغار السن، خلع عليهم (مناضلو الكي بورد) لقب (الثوار)، بكل سهولة يسر، وهم لا يعلمون، ولم يسمعوا أو يشهدوا ـ غالباً ـ كيف كانت ملامح (الثوار) في السودان في عامي (1964) و(1985)!! لم يكونوا في أعمار الخامسة عشرة والسادسة عشرة، ولم يحرقوا (الإطارات) ثم يهربوا داخل الحواري، بل كانوا (يحرسون) الإطارات المشتعلة، ويغلقون الكباري، ويملأون الطرقات، ويسدون الأفق من كل حدب.. وصوب!
{ ما يحدث الآن في السودان، ليس (ثورة).. هي (ثورة) فقط في خيال البعض من المناضلين (المهاجرين)، وبعضهم (محررون) و(منتجون) صغار في فضائيات عربية، من بينها (قناة العربية)!
{ في حوالي الحادية عشرة من ليلة (أمس الأول)، كنت والزميلان “وائل بلال” و”محمد عثمان”، نتخذ مقاعد لتناول طعام العشاء عقب يوم عمل مضنٍ، في أحد المطاعم الشعبية بالخرطوم بحري.. جاءت (الصينية) بعد انتظار، وكانت الطلبات كالآتي: (“2” فول، “1” بيض بالطوة، “1” شية)، هممنا على المائدة في عجلة، وكنتُ أسرعهم، إذ أنني لم أذق طعاماً بعد (الفطور).
{ بعد حوالي عشر دقائق ـ (ويا فرحة.. أو “شبعة” ما تمَّت) – يتسلل صبيان في عمر (السادسة عشرة)، من جوارنا، إلى شارع الأسفلت، ويشعلان النار في (إطارين) قديمين، ثم يختفيان في لمح البصر، داخل أحد (الأزقة)!! توقفت بعض السيارات، ونزل أحد المواطنين وأطفأ النار.. وبعد قليل وصلت (دوريتان) من شرطة مكافحة الشغب، وأطفأ الجنود ما تبقي من (اللهب)!
{ صاحب المطعم بدا مستاءً جداً، إذ أن ارتفاع درجات (التوتر) حول المطعم، يعني كساداً في المبيعات.. (بوران الفول).. و(تلف الخبز).. و(الإيجار ماشي) والكهرباء.. والموية.. ورسوم (المحلية) والنفايات.. غير (الضرائب) و(الزكاة)!!
{ وقبلها بيوم، كنت شاهداً أيضاً بشارع (الموردة) بأم درمان، أثناء أوبتي الليلية، على حادثة أخرى مشابهة، ثلاثة (صبيان) فقط، رأيتهم بأم عينيَّ، حملوا (أغصاناً) جافة، وضعوها في قلب الأسفلت، وأشعلوا فيها النار، ثم ولوا الأدبار!!
{ في انتفاضة أبريل (1985)، كنا على أعتاب المرحلة الثانوية، وكنا – أيضاً – نحرق (الإطارات) في شوارع أم درمان القديمة، (بيت المال، ود أرو، حي السيد المكي)، ولكننا لم نكن ثلاثة أو أربعة، كنا ومنذ اليوم الأول، (بالمئات)، وكنا نغلق الشارع لساعات، ولا تستطيع قوات (الشرطة) أن تدخله، إلاّ بعد إطلاق كميات هائلة من (البمبان)، ومن مسافات بعيدة، وكان ردنا عليهم هتافنا المشهور: (يا بوليس ماهيتك كم.. رطل السكر بقى بكم؟!).
{ رطل السكر بقى بكم؟ السؤال الآن شرعي وموضوعي ومرفوع – الآن – للقوة (1000) إلى وزير المالية والاقتصاد “علي محمود” ووالي ولاية الخرطوم، “عبد الرحمن الخضر”، ووزير التجارة “عثمان عمر الشريف”، ووزير الصناعة “عبد الوهاب محمد عثمان”!!
{ أخلص – سادتي – إلى أن ما يحدث هو (إشارات غضب جادة) من الشعب السوداني.. وليست (ثورة).. الشعب يتفرج ويترقب ولكنه غاضب، وحزين.
{ وليس صحيحاً ما قاله السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية الأستاذ “علي عثمان محمد طه” في البرلمان (أمس الأول)، بأن الزيادات الأخيرة على (المحروقات) وافق عليها  الشعب السوداني وصادق عليها (البرلمان)!!
{ الشعب السوداني (لم) يوافق على هذه الزيادات مطلقاً، بل إن البرلمان – نفسه – لم يوافق عليها، ولكنه مررها (كسر رقبة)، ولا أدل على ذلك من غضبة الشيخ “عباس الخضر” المضرية داخل البرلمان.
{ التصريحات في مثل هذه الأيام – وهذا مبتدأ مقالي – يجب أن توزن بميزان الذهب.
{ وتصريحات الرئيس “البشير” في (اللقاء الجهادي) للطلاب مساء (أمس الأول)، كان ينبغي أن توزن بهذا الميزان.. قبل إطلاقها من منصة قاعة الصداقة، بل إنه لم يكن هناك حاجة، ولا منطق، ولا مبرر، ليخاطب الرئيس (لقاءً جهادياً) في هذه الأيام. لمن تكون الرسالة؟ للجنوب.. ووفدنا يفاوض وفدهم في فنادق “أديس”؟!
{ ما يحدث في الشارع، ليس (ثورة) – هذا في تقديري – لكن الثورة (تغلي) في قلوب الناس.. فلا تستفزوا مشاعر الناس.
{ الشعب (لم) يوافق على هذه (الزيادات).. ولا يمكنه.. وأرجو – صادقاً – ألا تتوهموا ذلك.

الهندي عزالدين

شهادتي لله

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق