رأي

مولانا الحسن وحاتم السر.. هل يقودان انقلاباً في الاتحادي الأصل؟

الكاتب الفرنسي الشهير (اندريه موروا) لديه حكمة عميقة مفادها (غير المتوقع يحدث دائماً)، فالشاهد أنه لا توجد حالة سرمدية وكتلة صماء في قاموس الواقع وحقائق الطبيعة، والكون يتحرك ويتمدد على إيقاع ناموس الوجود وصرامة الأشياء مسألة مستحيلة، والجدول مهما كان منتظماً ودقيقاً سوف ينكسر على وتيرة العواطف الشديدة ورياح التغيير العاتية..
وإذا كانت حمولة الماركسية الثقيلة قد قصمت ظهر الشيوعيين، فإن اختلال موازين الاتحادي الأصل الآن وضياع البوصلة بين جنباته يمكن أن تقود إلى هذا المصير، فالحزب العريق صار يتعطف عليه من كانوا في الظل!! ولم يعد قادراً على التعبير عن خصوصيته وموروثاته ورحيقه الاستثنائي.
من ثنايا الصورة البليغة، فإن الشعور بالإحباط والضجر الذي يغلف أجواء الاتحادي الأصل، يجب أن يكون نقطة تحول حاسمة ومدروسة، على طريق إيجاد المعالجات الذكية والضغط على مكان الألم والعلة، حتى ينجو الحزب من الدخول في دهاليز المتاحف وفضاءات العار..
السؤال المركزي، كيف يكون الحل والمعالجة؟
الإجابة على بساط الشفافية والصراحة الشديدة، علينا إزاحة الأفكار العاطفية التي تمجد الزعيم، وعلينا أيضا إبعاد الرؤية الاقتصادية المشحونة بالانتقام والمغالطات.
الحكمة تقتضي الزحف إلى منطقة في الوسط بين الاتجاهين، حيث تتأطر الحاجة القوية إلى بلوغ الخطوة الفاصلة والذهبية التي تحمل في طياتها لوازم ترميم العقل وتناول الدواء المر وعنصر الكياسة (البراغماتية).
بلا مواربة وتدليس هنالك ثنائية في الأفكار والمنهج خلال هذا الظرف بين مولانا (محمد الحسن الميرغني) والأستاذ (حاتم السر) وكلاهما ينطلق من رؤى وهموم تجد القبول من القاعدة الاتحادية العريضة، وهما يرفضان المشاركة ويضعان (فيتو) كبير على أوضاع الحزب، ويطالبان بقيام مؤتمر عام من الزاوية الصحيحة وتطبيق جملة من الإصلاحات والتغييرات على مسار الاتحادي الأصل.
في الشق الآخر من المعادلة، هناك من يرى ثمة معضلة في عملية انطلاق منهج الرجلين في ظل سياسة مولانا الحالية، وفي الذهن علاقة إكسير الدم بين زعيم الحزب ومولانا الحسن، علاوة على الرابطة الوجدانية بين مولانا (محمد عثمان الميرغني) والأستاذ (حاتم السر).
رويداً رويداً صار أنموذج الصدمات البراغماتية وكسر الطوق هائماً على الأجواء في ظل وجود أولوية محاربة السماسرة والانتهازيين الذين ساقوا الحزب إلى المؤتمر الوطني مقابل منفعة رخيصة.
في الإطار أصبح مولانا الحسن يضع أفكاره ومنهجه في قوالب مغايرة على سطح جليد، فهو لا يريدها أن تنطلق من منصة صاروخ حتى لا تثير الغبار واللبيب بالإشارة يفهم، فهو قد رفض المنصب الدستوري العالي في وضح النهار، ولم يستجب إلى نداء العودة إلى الوطن،، وصار مهموماً بالقضايا التنظيمية وإبعاد الخط الميكافيلي عن هياكل الاتحادي الأصل، وإذا حاولنا تقليب الدفاتر، فإننا نجد أن مولانا الحسن كثير الإعجاب بمبادئ وطهارة (الحاج ميرغني عبد الرحمن)، بل يحمل في أعماقه جسارة وثورية القيادي الاتحادي الأستاذ محمد الياس محجوب.
وعلى ذات النسق، ظلت أطروحات الأستاذ (حاتم السر) تلامس وجدانيات قواعد الحزب، وهو من أنصار التحول الديمقراطي وبلوغ برامج الشفافية، وصار الآن يرسل إشارات قاسية حول الأوضاع المتردية في أروقة الاتحادي الأصل، بل أصبح أقرب إلى الدكتور (علي السيد) في هذا السياق.
المشهد السريالي يجسد ثنائية مولانا (الحسن) و(حاتم السر) التي غطت الميديا، وصارت على أفواه جميع الاتحاديين، فهل يقود الرجلان انقلاباً في الاتحادي الأصل؟
الخطوة ربما تطبخ على نار هادئة في لحظة صدق نادرة، وستكون حافلة بالمعاني والدلالات.
مولانا (الحسن) يريد استعجال التاريخ والحلول النابعة، لكنه لا يريد استعمال المناصب والمواقع، فهو يريد أن يطرح نفسه من سلم القواعد في عملية انتخابية نزيهة وشفافة، و(حاتم السر) لن يفرط في بيعة مولانا (محمد عثمان الميرغني) التي تسربل عنقه، لكنه على موعد مع قيام خطوات جديدة متصالحة مع ضميره.
انقلاب مولانا (الحسن) و(حاتم السر) لن يكون فيه أنموذج (الحبيب بورقيبة)، بل أنه قد يعطي أملاً أخضر لكل عضو في الحزب صار على عتبة ملامسة القنوط واليأس!!
لا يفوت علينا إضاءة المصابيح حول الحبل الممدود بين مولانا (الحسن) و(حاتم السر) والعديد من رموز الحزب بالداخل، وعلى رأسهم أصحاب مذكرة أبريل التي وجدت تفهماً من القيادة من خلال الاجتماع الناجح بين مولانا (محمد عثمان الميرغني) ورموز المذكرة، وهم المحامي (الطيب العباس) والدكتور (محمد نوري) والبروفيسور (عاصم علي عبد الرحمن).
أوضاع الاتحادي الأصل مليئة بالخطوات المذهلة في الأيام المقبلات، وستكون مشهداً جديراً بالاهتمام والتدقيق.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق