أخبار

التَملمُلْ من رأس الدولة .. إلى (رأس الميَّة)

{ حين تكون زائراً لطبيب في عيادته، وقبل أن يبدأ كتابة الروشتة لصرف الدواء، يطلب منك إجراء بعض الفحوص الضرورية التي تعينه على تحديد التوصيف لنوع المرض الذي تعاني منه.. وباكتمال تلك النتائج لذلك الفحص يقرر العلاج.. كذلك يفعل المحامي تجاه موكله، يطلب المستندات والوثائق، وربما الشهود، الذين يحتاج لسماع إفادتهم ليثبت الحق ويحقق القسط.. وكذلك يفعل المعماري فحصاً للتربة وتجهيزاً للمواد.. أمّا المحلل السياسي، فحين يريد أن يقدم للناس تحليلاً لظاهرة وتحديداً لمنهج وتوضيحاً لمشهد وإعانة لناس في أن  يقرأوا ويبصروا من خلال تلك القراءة وذلك التحليل أبعاد القضية والإلمام بتفاصيل الحدث.. فلا بد من أن يغوص في أعماق سطور الوثائق وبصمات الأيدي التي صنعت الحدث وقررت القرار.. وأن يرصد وبقدرة وكمال رؤية كل حدث ليس في عمومه وإنما في تفاصيل تفاصيله.
لهذا تستدعي ضرورة ما ذكرت آنفاً، ونحن نحاول أن نجيب عن الأسئلة التي طرحنا في هذا المقال والمقالات السابقة في سبب هذا النزوع غير المعتاد لاعتساف القرار ليلد عُدة قرارات تحدث تغييراً ربما لم يأت في الميقات الصحيح، فيضيف للقلق والتململ في صنع القرار (تليّفاً) في الأجهزة الحيوية لجسم الدولة.
ولئن أشرت في مقال سابق لظاهرة التغيير في الأجهزة التنفيذية، فإن الأمر لم يقتصر على ذلك، وإنما أصاب الجهاز الرئاسي بنفس الداء العضال.. لهذا دعني أرسم لوحة بالتفصيل لرحلة الجهاز الرئاسي في السودان عبر هذا المقال لتكتمل بعده التحليل وربما نجد الإجابة للسؤال.
{ مثل رأس الدولة في (1899م) الحاكم العام  لمدة (11) عاماً، ذلك أنه كان بموجب اتفاقية الحكم الثنائي يمثل السلطة السيادية والتنفيذية والتشريعية معاً.
{ في العام 1953م، ووفقاً لقانون الحكم الذاتي، أصبح الحاكم العام يمثل السلطة السيادية فقط.
{ في العام 1956م وبصدور الدستور المؤقت – لاحظ كم مرة وردت في تاريخ السودان كلمة (مؤقت) – تكوّن أول مجلس سيادة واستمر حتى نوفمبر 1958م.
{ بعد ثورة أكتوبر 1964م تكونت (3) مجالس للسيادة، الثاني والثالث والرابع!!
{ بعد الانتفاضة في 1985م جاء مجلس رأس الدولة 1986 – 1989
هذا السرد الإجمالي يحتاج لتفصيل لتكون الصورة أكثر وضوحاً
وهكذا تبدو الصورة كما يلي:
{ 1- مجالس السيادة في الفترة من 1956 – 1958م
أ/ مجلس السيادة الأول 1956 وحتى 17/ نوفمبر 1958م:
هذا المجلس تكوّن من السادة: عبد الفتاح المغربي، أحمد محمد يس، أحمد محمد صالح، سريسيوا أيرو، الدرديري محمد عثمان.. ثم حُلّ هذا المجلس بقرار من المجلس الأعلى للقوات المسلحة صباح 17 نوفمبر 1958م.
ب/ مجلس السيادة الثاني 1964 – 1965م:
هذا المجلس تكون بعد ثورة أكتوبر 1964 وحدّد القرار عمره بعام واحد، وتشكل من د. عبد الحليم محمد، د. التجاني الماحي، د. مبارك الفاضل شداد، إبراهيم يوسف سليمان، لويجي أدوك.
ج/ مجلس السيادة الثالث 1965 – 1968م:
هذا  المجلس جاء بعد انتهاء الفترة الانتقالية، وتكوّن من السيد إسماعيل الأزهري والسيد خضر حمد، والسيد عبد الله الفاضل المهدي  ود. عبد الحليم محمد والسيد لوبجي أدوك.. إلا أنه قد تم تعديله، بحيث خرج منه السيد عبد الله الفاضل وحلّ مكانه السيد عبد الرحمن عابدون.. وخرج د. عبد الحليم محمد وحلّ مكانه السيد محمد داؤود الخليفة..
د/ مجلس السيادة الرابع 1968 – 1969م:
هذا المجلس جاء بعد ائتلاف جديد نقض الائتلاف السابق؛ لهذا جاء يمثل الحزبين المؤتلفين. فتكوّن من السادة: إسماعيل الأزهري، خضر حمد محمد داؤود الخليفة، الفاضل البشرى وجيرفس ياك.. وتمّ حلّه بموجب قرار من مجلس قيادة الثورة في 25 مايو 1969..
هـ/ مجلس رأس الدولة 1986 – 1989م:
جاء هذا المجلس بعد انتفاضة أبريل 1985م وانتهاء الفترة الانتقالية، وجاء بعد الانتخابات ووفق ائتلاف بين الحزبين الكبيرين، وتكوّن من السادة: أحمد الميرغني، إدريس البنا، د. علي حسن تاج الدين، محمد الحسن عبد الله يسن ميرغني النصري، د. باسيفيكو لادو لوليك.. وتمّ حلّه بموجب قرار مجلس الثورة في 30 يونيو 1989..
من السرد الذي تقدم نجد أن منصب رأس الدولة استقر في فترة حكم الأحزاب على مجلس سيادة، والمجلس الأعلى للدولة، ومجلس رأس الدولة.. وبذلك كان عمر المجلس الأول ثلاث سنوات إلا شهوراً، والثاني عام واحد.. والثالث ثلاث سنوات، والرابع عام واحد والخامس ثلاث سنوات.
ربما يقول قائل إن السبب في هذا هو التدخُّل من جانب القوات المسلحة في ثلاث مرات، ولهذا كان سيطول عهد كل مجلس.. وفي هذا القول بعض صدق، ولكن لماذا حتى قبل تدخل العسكر كانت المجالس تَنفّض بسبب الائتلاف والاختلافات..!!
غير أن منصب رأس الدولة بعد تدخل القوات المسلحة.. كان يبدأ إما بتسميّة (المجلس الأعلى للقوات المسلحة) كما في فترة الفريق إبراهيم عبود، وإما (مجلس قيادة  ثورة مايو) في فترة المشير نميري، أو المجلس العسكري الانتقالي في الفترة الانتقالية، أو (مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني).. في عهد المشير البشير، وحتى هذه المجالس بالطبع تستنفذ مهمتها بعد فترة من الحكم لأنها تتحول من انقلاب ليلة التنفيذ وحتى نجاح التنفيذ.. فإذا أذاعت البيان الأول وتلقت تأييد قطاعات الجيش، ثم القطاعات الرئيسة في المجتمع، تصبح ثورة، ثم إذا ما استقر نظامها وثبتت سلطتها.. قامت بحل مجلس قياداتها وبدأت تمدين نظامها بالمشاركة وتوسيع قاعدة القرار فيها!! وربما أيضاً تتدخل ظروف قاهرة فتعدل المجلس إما بإعفاء لبعض من أعضائه وإما بإضافة أعضاء للمجلس، كما سنرى؛ ولهذا نرى أيضاً أن نطوّف على تلك المجالس ترطيباً للذاكرة، وإنعاشاً للتأمل، وتذكرة لمن نسي بفعل أيام الزمن..
{ المجلس الأعلى للقوات المسلحة 1958 – 1964م:
تكوّن هذا المجلس من (12) من قادة القوات المسلحة تدرجت الرتب فيه من فريق، فلواء ثم أميرالاي (عميد)، يمثلون قيادة القوات المسلحة للحفاظ على وحدة القوات المسلحة، وكان المجلس الذي أعلن صباح 17 نوفمبر يتكوّن من: الفريق إبراهيم عبود، اللواء أحمد عبد الوهاب، اللواء حسن بشير نصر، اللواء محمد طلعت فريد، وكل من الأميرالاي: أحمد عبد الله حامد، أحمد مجذوب البحاري، محمد أحمد عروة، محيي الدين أحمد عبد الله، الخواض محمد أحمد، حسين علي كرار، عوض عبد الرحمن صغيرون، محمد أحمد التجاني.
 ثم تمّ إعفاء كل من الأميرالاي الخواض محمد أحمد، عوض عبد الرحمن صغيرون، حسين علي كرار، محمد أحمد التجاني، أحمد عبد الله حامد، واللواء أحمد  عبد الوهاب، وتم تعيين الأميرالاي عبد الرحيم محمد خير شنان، واللواء المقبول الأمين الحاج.
 وأصبح المجلس أخيراً يتكوّن من الفريق إبراهيم عبود، واللواء محمد طلعت فريد، واللواء حسن بشير نصر، واللواء محمد أحمد عروة، واللواء أحمد رضا فريد، واللواء المقبول الأمين الحاج، واللواء محمد نصر عثمان، واللواء أحمد مجذوب البحاري (اختفى الأميرالاي جميعاً)، إلا أن هذا المجلس ظل حتى 21 أكتوبر 1964م، وهو المجلس الوحيد الذي ظلّ رأس الدولة طيلة فترة حكمه!!
{ مجلس قيادة ثورة مايو 1969م:
 أُعلن صباح الخامس والعشرين من مايو عن تشكيل مجلس ثورة مايو 1969 من اللواء جعفر محمد نميري رئيساً، السيد بابكر عوض الله نائباً للرئيس، المقدم بابكر النور، الرواد: فاروق حمد الله، أبو القاسم محمد إبراهيم، خالد حسن عباس، الراشد أبو القاسم هاشم، مأمون عوض أبوزيد، وزين العابدين محمد أحمد  عبد القادر..
وتمّ حل هذا المجلس في العام 1973 ليصبح المشير نميري رئيساً للجمهورية أي بعد سنتين ونيف من الشهور!!
{ المجلس العسكري الانتقالي 1985 – 1986م:
 تحدد منذ اليوم الأول لتكوين هذا المجلس عمره بعام واحد انتقالي بعده يعود لثكناته، وجاء يمثل لأول مرة الجنوبيين بعضوين، حيث خلا مجلسا عبود والنميري من تمثيلهم.. كما أن مجلس قيادة مايو هو المجلس الوحيد الذي فيه عضو مدني هو مولانا بابكر عوض الله!! وجاء تكوين المجلس بكل من: الفريق أول عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب، الفريق تاج الدين عبد الله فضل، الفريق طيار محمد ميرغني محمد، الفريق بحري يوسف حسين، الفريق مهندس محمد توفيق خليل، الفريق (م) يوسف حسن الحاج، اللواء أ.ح مايمان أقم لونج، اللواء أ.ح جيمس لورو، اللواء أ.ح عثمان الأمين السيد ، اللواء أ.ح إبراهيم يوسف العوض، اللواء أ.ح حمادة عبد العظيم حمادة، العميد أ.ح عثمان عبد الله، العميد أ.ح فضل الله برمة ناصر، العميد مهندس عبد العزيز الأمين، العميد أ.ح فارس عبد الله حسن!!
{ أعلن في 30 يونيو 1989 مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني.. وتكوّن من: الفريق ركن عمر حسن البشير رئيساً.. العميد أ.ح الزبير محمد صالح  نائباً للرئيس، العميد أ.ح التجاني آدم الطاهر، والعمداء أ.ح: فيصل أبو صالح، عثمان أحمد حسن، دومنيك كاسيانو، إبراهيم نايل أيدام، طيار فيصل مدني مختار، والعقداء أ.ح: صلاح الدين  محمد أحمد كرار، بيويوكوان دينق، مارتن ملوال، والمقدّم أ.ح بكري حسن صالح ومحمد الأمين خليفة والرائد إبراهيم شمس الدين.
ثم خرج باكراً من المجلس العميدان فيصل أبو صالح وعثمان محمد حسن، ثم أعفي العقيد مارتن ملوال.. ثم تمّ حل المجلس في أكتوبر 1993 ليكون المشير عمر البشير رئيساً للجمهورية وقف الموسم التاسع.
 قصدت من هذا  السرد الذي يبدو أنه جاف وحار وغير ممطر!! أن ألمس هذا الجهاز الرئاسي الذي أصابته أيضاً (انفلونزا) القلق و(فايروس) التململ.. مما  يتيح لي فرصة التأمل لاحقاً في الجهاز التشريعي..
فقط أصبر عليَّ فإني أريد أن أبوح بصرخة أو أعلن الوجع الذي يجعلني أكتب.. فلا تحزن من جفاف الكلام وخلوّه من دهن القوافي وعطر النشيد..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق