خارج النص

خوفي منك

تنهض “سعاد” من سريرها قبل أن يتسلل ضوء الشمس ويطرد ظلام الحي الذي ضمها منذ سنوات مجيئها لأم درمان، بعد أن تضع (القفة)، على الأرض تحصي بعد مطلوبات اليوم من (البهارات)، وملاعق وأكواب الشاي، وتختار كتاباً من مقرر الشهادة السودانية وتضعه بين (عدة الشغل)، تقف في الشارع في انتظار (عم سعد)، صاحب البوكس موديل 1978م، وهو يخرج صباحاً بحثاً عن رزقه في سوق الخضار، تقفز “سعاد” برشاقة داخل صندوق(البوكس)، حينما تجد المقعدين جوار (عم سعد)، مشغولة بالعتالة والخضرجية، وصوت وردي ينبعث من مسجل عربة (عم سعد)، ويدندن مع وردي أسفاي، ولو بأيدي، ومع النغم الطروب (يتأوه) عم سعد، طرباً حتى يبلغ السوق الشعبي، وتضع سعاد جنيهاً في يد (عم سعد)، التي إما مشغولة بسيجارة (البرنجي)، أو على شفتيه التماك، وأسنانه احمرت مثل عيونه وأبيض شعر الرأس واشتعل شيباً؟
يتجمع حول “سعاد”، (العتالة)، وسائقي (الركشات)، وبعض عابري السبيل يطلبون القهوة الصباحية، والشاي ويبحلقون في الوجه الوضيء والجمال الخفي؛ الذي أضفى عليه الفقر المدقع و(المعاناة)، ألقاً لا يكتشفه إلا من يحدق في عيون “سعاد”، وهي تومئ برأسها؛ في إشارة لاستجابتها لدعوة زبون بالإسراع في سكب قطرات الشاي على الأكواب.
“سعاد”، تزين وجهها الدائري بابتسامات تضيء الوجه الدائري والأنف الصغيرة والخدود الوردية. تتجاهل عمداً بعض الفضوليين، وتصمت في أدب شديد عن مشاغبات بعض العابرين، وتنصرف لإعداد الشاي والقهوة، غير عابئة بأحاديث (عمر)، عسكري شرطة مرور وهو يباهي بسلطته و(يحكي)، لبعض أصدقائه بصوت جهور عن بطولاته في التربص بالسائقين، وإرغام أصحاب (السعادة)، على دفع المخالفات، وينظر من حين لآخر لسعاد؛ في محاولة للتقرب منها.. وهي ترفض أن يتنازل لها الزبائن عن (باقي المبلغ).
وحينما يأتي (سيد أحمد)، من متجره ويلقتي بـ”هارون” وكيل ترحيلات دارفور، يسود مقهى “سعاد” قصص خرافية عن المال والثروة، ودارفور، وبلح الشمالية، وزواج فلان، ولكنها تقرأ في صمت شديد كتاباً في الجغرافيا أو التاريخ، وترفض كل إغراءات سائقي الحافلات بملابسهم، (القذرة)، عروض الزواج والارتباط العاطفي، وتزجر كثيراً منهم، حتى اضطرت للغياب عن السوق ومصدر رزق والدها المريض، وأبنائه وبناته، بعد موت الوالدة، وخضبت “سعاد”، أصابع قدميها بالحناء لتخدع الجميع بأنها تزوجت؛ في محاولة لسد الطريق أمام طالبي يدها، ولكن سفهاء الأسواق، وقاع المدينة يلاحقونها.. بلا جدوى، وهي تبتسم في وجه البعض من أجل السوق، وتنصرف لمتابعة دروسها حتى جاء امتحان شهادة العام الحالي، وحصلت “سعاد” على نسبة تؤهلها لدخول جامعة الخرطوم، بيد أنها ستواجه واقعها وفقرها وعوزها. أبٌ، أقعده المرض، وأم غيبها الموت، وشقيق كفيف وآخر في مرحلة الأساس، وشقيقتين: الأولى في الثانوي، والصغيرة بالأساس.. “سعاد”، ما بين طموحها ورغبتها في التعليم ومطلوبات الحياة التي تحملها يومياً للسوق كبائعة شاي تتعرض لعسف السلطة، وانحدار أخلاقيات المجتمع، والتميز السالب بحق المرأة ولا تمل “سعاد” الإصغاء لوردي (خوفي منك)، وتجعل من رمزية الزمن مصدر الخوف والوجل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق