رأي

حتمية التراجع عن النهج الذي أنتج سياسات الزلزلة الاجتماعية

{ أخيراً وبعد طول تردد أعلنت الحكومة ما أسمته حزمة إجراءات الإصلاح الإقتصادي وطبقته على عجل قبل اكتمال دورة إجازتها رسمياً. وقد اضطرت لذلك بعد أن وصل حال الاقتصاد إلى شفا الإفلاس، فتلك إجراءات تلجأ إليها الدول المفلسة حسب تعبير السيد وزير المالية، فلا مجال أن يظهر القرد حتى في عين أمه غزالاً هذه المرة. وليس بوسع أحد أن يماري حول أن هذه الإجراءات بآثارها المباشرة على الغالبية العظمى من أهل السودان هزة قوية أخرى لأركان المجتمع ضمن الزلازل الإقتصادية وتوابعها التي ما فتئت تضرب هذا المجتمع منذ إطلاق مارد ما سمى بسياسة التحرير الاقتصادي من قمقمه عام 1992م.
والمدهش أن ذات العبارات التي استخدمت قبل عقدين لتسويغ تلك السياسة من قبيل تصحيح التشوهات الهيكلية وتحقيق التوازن الداخلي والخارجي وتهيئة الإقتصاد للانطلاق، هي ذاتها المستخدمة اليوم لتبرير حزمة الإجراءات الأخيرة و(كأننا يا بدر لا رحنا ولا جئنا) منذ عشرين عاماً. وقد جاءت الإجراءات التي أدت منذ اللحظة الأولى لارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية بمعدلات تراوحت ما بين 25% –  60%، في وقت كانت الغالبية العظمى تعاني من شظف بالغ وتتطلع إلى رحمة السماء لتخفيف عبء المعاش عن كاهلها.
{ وإذ نتناول الإجراءات الأخيرة بالنقاش نعلم جيداً أنه لا يوجد حل سحري للمعضلة الاقتصادية عند أي طرف، ولا يمكن لأحد أن يظن أن الحكومة قد أقدمت عليها انطلاقاً من محض السادية لتعذيب مواطنيها وإثارة غضبتهم في وقت تجتاح فيه ثورات الشعوب بلدان المحيط الإقليمي. عليه فإن الحوار حول هذا الأمر المهم والحساس ينبغي أن يلتزم أقصى درجات الموضوعية والمسؤولية للحكم على هذه الإجراءات أو عليها وبناء المواقف إزاءها طبقاً لذلك بدون الاستغراق في الحديث الهتافي والدعائي الذي لا يغني عن الحق شيئاً. ومن المناسب في هذا الصدد استعراض حجج الحكومة الجوهرية لتبرير هذه الإجراءات وإخضاعها للمنطق في ضوء الحقائق والتحليل العلمي. وقبل ذلك نقول إن بعضاً من تلك الإجراءات لا مشاحة حوله سوى أنه جاء متأخراً أكثر من اللازم، ونعني بذلك الجزء الخاص بتدابير التقشف وخفض الصرف الحكومي. أما حجج الحكومة في تبرير إجراءات رفع الدعم عن المحروقات وزيادة الرسوم الجمركية على جملة من السلع ورفع السعر التأشيري للدولار، فيمكن تلخيصها في نقاط هي: أن الخزينة العامة قد فقدت نحو 50% من إيراداتها بذهاب عائدات النفط الذي كان ينتج في الجنوب. وأن أثر ذهاب نفط الجنوب على الميزان التجاري كان عظيماً بالنظر إلى أن عائدات النفط كانت تشكل أكثر من 90% من قيمة صادرات البلاد. وإن هناك فجوة كبيرة بين إستهلاك الدولة من مشتقات النفط ونصيبها من النفط المنتج محلياً، وإن هذه الفجوة تغطي بالاستيراد في ظل أسعار عالمية مرتفعة للنفط ولا طاقة للحكومة لتدعم أسعار استيراد فوق سقف المائة دولار للبرميل ليستمر السعر للمستهلك على أساس السعر الذي كانت الحكومة تسلم به لمصافي التكرير بنحو ثمانية وستين دولار للبرميل. وتأسيساً على تلك الحجج فلا مناص لتلافي الإفلاس والإنهيار الإقتصادي من إجراءات إستثنائية لزيادة الإيرادات من ناحية وخفض المصروفات من الناحية الأخرى.
وقد تبدو تلك الحجج في ظاهرها متماسكة للغاية، ولكنها لا تكفي في تقديرنا عند التمحيص لتبرير هذه الإجراءات إن لم يكن في مبدئها ففي جرعتها. بيد أن الحجج هذه تصلح دليل إدانة دامغة لمجمل السياسات الإقتصادية التي جرت البلاد لهذا الوضع، بل للمنهج الذي أفرز تلك السياسات. وأول المآخذ على الحكومة بخصوص حزمة الإجراءات الأخيرة هو الاستهتار الذي عماها عن التحسب لأمر لم يكن متوقعاً فحسب، بل كان منظوراً في الأفق بوضوح. ونقول الاستهتار لأن العلة هنا لا يمكن أن تكون قلة المعرفة والخبرة عند الحكومة التي تضم صفوف حزبها جيشاً من علماء وخبراء الإقتصاد من ذوي المؤهلات العلمية العالية والتجارب العملية الثرة. ولولا الغرور الذي يعمي عن الحق والمكابرة التي تمنع الإنصياع له حين يظهر، لكانت الحكومة قد اتخذت منذ وقت مبكر تدابير للمعالجة، ولا نزعم أن ذلك كان سيحل المشكلة تماماً، ولكن بلا شك كان سيخفف وطأتها بدرجة كبيرة.
 ولإثبات مكابرة أهل السلطة نورد مثالين لكاتب المقال صلة وثيقة بهما، أولهما على المستوى الشخصي وثانيهما على الصعيد الحزبي. ويتعلق المثال الأول بورقة كنت قد قدمتها بطلب من الأمانة العامة لمجلس الوزراء في سبتمبر 2010م حول الآثار الإقتصادية المتوقعة للانفصال. ومن النقاط ذات الصلة المباشرة بموضوعنا التي وردت في تلك الورقة نقتطف ما يلي:
{ (1/ تتمحور الآثار الإقتصادية المباشرة للانفصال على الشمال حول فقدان إيرادات النفط المنتج في الجنوب وتداعيات ذلك على مجمل الأداء الإقتصادي.
2/ حيث أن متوسط نسبة عائدات النفط من موارد الموازنة العامة للخمس سنوات الأخيرة حوالى 50% وحيث أن نسبة النفط المنتج في الجنوب تتراوح ما بين 75% – 80% فإن موارد الموازنة العامة التي تصرف على البنود الإتحادية والولايات الشمالية ستنخفض بنسبة 30% – 35% كأثر مباشر . كما أن هناك آثاراً غير مباشرة ستطال الإيرادات الضريبية على السلع والخدمات، إذ سيتأثر النشاط التجاري والإنتاجي عامة سلباً بهذا التطور.
3/ على جبهة الميزان التجاري والنقد الأجنبي، فإن الآثار المتوقعة ستكون أسوأ. فقد بات معلوماً أن عائدات النفط تشكل منذ أكثر من سبع سنوات أكثر من 90% من قيمة الصادرات ما يعني أن عائدات نفط الجنوب تشكل أكثر من 65% من قيمة الصادرات. وبفقدان هذه القيمة سيكون هناك تراجع حاد في العملة الصعبة ستترتب عليه آثار مزدوجة خطيرة منها على سبيل المثال تدهور سعر صرف العملة الوطنية، إرتفاع أسعار مدخلات الإنتاج المستوردة، إنكماش النشاط التجاري، إرتفاع التضخم بشكل حاد، تراجع الملاءة الائتمانية للبلاد وتراجع الثقة في المناخ الاستثماري.
4/ إن حدة واستمرارية الآثار السالبة للانفصال تتوقف لحد كبير على طبيعة العلاقة بين الدولتين المنفصلتين وكيفية تسوية ملف النفط  وعلى سرعة وفعالية سياسات التكيف مع الواقع القادم والتي نتوقع أن تكون الجهات المعنية قد شرعت فيها منذ وقت مبكر).
{ تلك الورقة التي إقتطفنا منها ما سبق بالنص تقريباً شارك في مناقشتها عدد من المسؤولين عن الإدارة الاقتصادية في البلاد على رأسهم السيد وزير المالية والسيد محافظ بنك السودان. وفي تعليقه على ما جاء في الورقة قال السيد محافظ البنك المركزي حينه د. صابر محمد الحسن (ستكون هناك آثار لانفصال الجنوب، ولكن ليس بالقدر الذي يتحدث عنه البعض، وأنا أتحدى كل من يقول أن هذه الآثار ستتعدى آثار الأزمة المالية العالمية علينا).
يذكر أن بعض المسؤولين في الدولة كان قد أنكر أن تكون للأزمة العالمية أثر علينا قبل أن يكذب الواقع ذلك بتراجع أسعار النفط عالمياً. ومهما يكن من شئ فقد أثبت الواقع كل توقعاتنا بإستثناء الجزء الأخير من الفقرة الرابعة والذي يقرأ (….. والتي نتوقع أن تكون الجهات المعنية قد شرعت فيها منذ وقت مبكر).
{ أما المثال الثاني لما نسميه مكابرة الحكومة، فيعود إلى ديسمبر من العام الماضي حين عرضت على حزب العدالة المشاركة في ما يسمى بحكومة القاعدة العريضة. يومها إشترطنا للمشاركة الاتفاق على برنامج وإعلانه للملأ. وفي سبيل ذلك قدمنا مذكرة بعنوان شروط الحد الأدنى للمشاركة في الحكومة العريضة من ستة محاور أولها، الحريات العامة وآخرها العلاقات الخارجية. ويُهمنا هنا المحور الاقتصادي الذي كان ثانياً في الترتيب بعد الحريات. ونورد من المذكرة بالنص النقاط ذات الصلة المباشرة بالموضوع وهي:
(1/ فرض ولاية وزارة المالية الكاملة على المال العام بوقف أي تحصيل بدون الأورنيك المالي (15) وأن تصب كافة الإيرادات في الخزينة العامة بدون تجنيب أي قدر منها لأية جهة لتصرف وفق الموازنة العامة وإصدار تشريعات تجرم كل الممارسات التي تخالف ذلك.
2/ إعتماد نهج القيادة القدوة للتقشف ويشمل:-
أ/ خفض المخصصات المالية لكل الدستوريين بنسبة 25% على الأقل.
ب/ تحديد السيارات المخصصة للدستوريين ومديري المصالح الحكومية وقادة القوات النظامية بعربة دستورية واحدة، وأخرى للخدمة المنزلية.
ج/ تحديد عضوية الدستوريين في مجالس إدارات الوحدات الحكومية بواحدة فقط وضبط مخصصاتهم بالحد المعقول.
د/ وقف بناء مقار جديدة للوزارات والمصالح الحكومية ووقف تجديد الأثاثات المكتبية إلا في حالات الضرورة مع وضع مواصفة قياسية لأثاثات المكاتب الحكومية بما يناسب الحالة الاقتصادية للبلد.
وختمنا مقترحات التقشف تلك بالقول إن قيمتها الأساسية معنوية وتعبوية، إذ بدونها لا تستساغ مطالبة المواطنين بالتقشف.
3/ إنشاء المفوضية الوطنية للشفافية ومكافحة الفساد من شخصيات مستقلة مشهود لها بالنزاهة والإستقامة تختص بالآتي:-
أ/ ضمان الشفافية في كافة المعاملات الحكومية من عقود الإنشاءات والمشتروات وغيرها.
ب/ تكافؤ الفرص في سوق السلع والتمويل بمنع الإمتيازات والإعفاءات غير المبررة والمحسوبية.
ج/ رصد كافة صور الفساد ومحاصرتها ومكافحتها.
د/ تنشأ المفوضية بقانون وتعتمد الهيئة التشريعية القومية رئيسها وأعضاءها.
4/ تشكل لجنة خبراء تتوافق عليها أحزاب الحكومة العريضة لمراجعة السياسات الضريبية سيما الإعفاءات غير المبررة ولجنة أخرىٍ لإعادة ترتيب أولويات الصرف لتقليص الصرف السيادي والأمني ورفع الصرف علىٍ القطاع الإنتاجي والخدمات الأساسية.
5/ إتخاذ إجراءات صارمة لترشيد الواردات بأدوات مالية وتشريعية وإدارية.
6/ تكوين آلية فعالة لضبط تجارة السلع الاستراتيجية وعلى رأسها السكر لمنع التلاعب فيها.
إلى جانب ذلك تضمنت المذكرة خمس نقاط أخرى تتصل بمجمل السياسات الاقتصادية .
{ وللقارئ أن يتخيل كيف كان سيكون الحال لو كانت الحكومة قد شرعت في تدابير التكيف مع آثار إنفصال الجنوب منذ وقت مبكر كما توقعنا في ورقتنا في سبتمبر 2010م أو على الأقل شرعت في التدابير الإستثناية منذ ديسمبر 2011م حسب مذكرة حزب العدالة المشار إليها آنفاً.
{ والآن نعود إلى الإجراءات الأخيرة وحجج الحكومة في تبريرها التي قلنا آنفاً إنها تبدو متماسكة في ظاهرها، ولكنها لا تصمد عند التمحيص. ونبدأ بأشد هذه الإجراءات إيلاماً وهو رفع الدعم عن المحروقات.
والسؤال المحوري في هذا الخصوص هو: هل كان هناك دعم حقاً وما مقداره؟ وللإجابة على هذا السؤال يتعين حل إشكال مفهومي يتمثل في محاولة الحكومة خطأً وعمداً لتفسير الدعم بالفارق بين السعر العالمي للنفط وسعر بيع مشتقات النفط المنتج محلياً للمستهلك. ولكن الحقيقة أن الدعم هو الفارق بين الكلفة الحقيقية للسلعة وسعر البيع المخفض للمستهلك. وبهذا المعنى لم يكن يوجد أي دعم للمحروقات بالأسعار التي كانت سائدة قبل الزيادات الأخيرة.
نقول ذلك ونعلم يقيناً أن الكلفة الكلية لبرميل النفط المحلي حتى وصول المصافي لا يتعدى سقف (15) دولار، وأن عملية التكرير تكلف ما لا يتعدى (3) دولارات للبرميل. أما الجزء الذي يصدر فيباع بالأسعار العالمية. وبإفتراض أن كلفة ترحيل البرميل الواحد حتى ميناء التصدير (5) دولارات ولا نظنها أكثر من ذلك، وحيث أن أسعار النفط منذ فترة طويلة فوق سقف المائه دولار للبرميل، فإن الحكومة تربح ما لا يقل عن ثمانين دولاراً من البرميل الواحد. إن الدعم سيكون موجوداً فقط في حالة زيادة كلفة ما تستورده الحكومة من المواد البترولية عن جملة ما تتحصله من عائدات نصيبها المصدر من النفط، مضافاً إليه ما تتحصله من المستهلكين في الداخل وهذا أمر مشكوك فيه، بل العكس هو الراجح حسب البيانات المتاحة. وكثير من بيانات النفط إنتاجاً وتسعيراً سر مكتوم عند الحكومة. ومهما يكن من شئ وحتى لو كان هناك دعم، فإن رفعه بالكيفية التي تمت ليس أمراً مقبولاً بالنظر إلى آثاره الكارثية على الغالبية العظمى من الناس الذين وصل حالهم لمستوى من البؤس لا يطاق. إنها المعالجة السهلة عند صناع القرار والباهظة الكلفة والمؤلمة اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً على المجتمع. وهناك الكثير الذي كان يمكن فعله لتحصيل الإيرادات المهدرة ومزيد من تقليص المصروفات أهون أثراً من هذه الإجراءات. وتأتي المعالجة الأخيرة في سلسلة المعالجات الغالية منذ تدشين سياسة التحرير بلا تدرج بأسلوب علاج الصدمة (shock therapy)، وبدون الوفاء بالشروط الاقتصادية للتحرير وأهمها مناخ المنافسة المثلى وأهم مطلوباتها الشفافية وتكافؤ الفرص. كما أن الليبرالية الاقتصادية الشاطحة نُفذت في ظل تكبيل الحرية النقابية ما قيد قدرة العاملين لتأمين حقوقهم عبر المساومة الجماعية.
وكانت محصلة هذا المنهج ما نعيشه اليوم من تدهور في القطاعات الحقيقية في الزراعة والصناعة وإفقار القاعدة العريضة من المجتمع يقابله ثراء فاحش لشريحة محدودة.
إن الإجراءات الأخيرة وإن نجحت الحكومة فى تمريرها، فهي ليست حلاً للمعضلة الإقتصادية. فلا بد من مراجعة جذرية للمنهج الإقتصادي كله وللإدارة التنفيذية. وفوق ذلك لابد من عمل سياسي لاختراق جدار الأزمة الوطنية التي تعتبر المشكلة الاقتصادية أحد أبعادها. وعلى الحكومة أن لا تركن أكثر مما يجب لقدرتها على التصدي كما تفعل الآن مع الاحتجاجات، بل إن على قادة السلطة عدم استفزاز الناس بالتصريحات الشاطحة وهم المسؤولون عما حاق بهم من ضنك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق