نوافذ

مجرمة أنا

خذني إليك..
فأنا قد جئت من حزن القصائد والحروف، أنبتتني أرض لا تؤمن بعذرية الماء ولا بطهارة الغيم الذي يلد المطر..
أنجبتني أغنيات الموت من رحم البقاء..
خذني إليك..
فالكوكب الذي جئت منه احترق حينما حاول أمثالك تحويل سكانه مثلي إلى أشخاص عاديين.
عادي أنت ومتفرد..
سادي وشديد الحنية..
أبديُّ البقاء في عميقي، وشديد الترحال في الواقع.
خذني إليك..
فالنساء يَتُقْْنَ كي تأتي على كتف الغياب.
المدينة أكملت عامها الرابع والعشرين تبحث عنك بين مقابر الموتى وبين مضاجع المرضى، ونسيت أنا كما نسيت المدينة أنك أنت القدر الذي التف بعمامة الصبر وغادر لانتظاري على رأس ثانية من الزمن.
إذن لحظة التكوين أنت..
عاماً من الفرح كان لقاؤنا، طفولياً كما أسراب الطيور التي لم تحمل في جيدها (ربطة كمون) خوف نظرة الحسد، وملائكياً كأنفاس الأطفال، طاهر هو هذا الشعور الذي يتملكني، فاحتويني كما تفعل الأمهات لأطفالهن الأبرياء.
بريئة أنا كابتسامات الأجنة في بطون الأمهات..
طيبة حتى السذاجة، ومجرمة حينما ارتبك أمام حائط غيابك السميك، رقيقة كأنامل الصمت على وتر الزمن، قوية حينما يأتي رحيلك على دمي، أقاوم غيابك حتى آخر قطرة، أفتش عنك بين إيقاعات الخريف وبين ذبذبات الظلام.
حينما تنام، أبدأ في رحلة بحث عن الرجل الطفل الذي يسكن بكل جزء منك، وأعبس في وجه ذلكم الرجل الذي يثور غضباً في كل مساحة اختلاف..
وحينما تثور تلهم كريات الدم الثوران، حينما تدور حول قلبي الممتلئ بك، تمد الكرة الأرضية بالدوران كيلا يظل العمر رتيباً ومراً.
إذن حرك الكرة الأرضية المحيطة بي قليلاً كي أسافر دون تذكرة إليك، وامنحني صوتي، عبور القادمين من الأزل نحو انتظام البقاء.
فوضوية أنا في كل شيء، في الشوق والعذاب، في الرحيل والبقاء، في ترتيب الأرقام، ولكني أعاني معك من الانتظام فأنا اشتاقك بانتظام وأتعذب منك باستمرار، أرتحل كل صبيحة يوم لأسكنك وابقي فيك بانتظام إلى الأبد، أمام الأرقام ومعاناتي معها فإنها لم تعد تعرفني، أنكرتني الأرقام كلها إلا أنني انتزعت منها اسمك والآن أعي تماماً كم هي حروف اسمك، أعي تماماً في أية مرتبة تحل دائماً، وحينما تحدثني أمك عن تميزك في المدرسة والجامعة أدرك أنني شديدة الغيرة عليك حتى من أساتذتي الذين شاركوني في مناداتك بالأول، فأنت حقاً أول في كل شيء.
 أول أنت في الصبر وأول في المكابرة وأول في الصمت وأول حينما تقول.. أول في الحلم والغضب، أول حتى في إحداث انفجار في هذا القلب المتحجر، أجل كان متحجراً هذا القلب قبل أن تجيئ.
لأن الدموع خلفت جبلاً من الجليد، ولأن الدماء سدت طريق الشمس نحو قلبي، لأن الألم تراكم مثلما الدهون التي أعقبها الثلج، ولأنه لا سبيل لحرارة قادمة، لذلك تحجر القلب.
كنت أحتاج إلى رجل يغير ترتيب الفصول في عمري ويغير ملل التاريخ في أجندتي، كنت أحتاج إلى حرارة لا تأتي من باب الشمس الذي تلج عبره ملايين الرئات، وإنما أحتاج إلى حرارة مصدرها الدماء، وأنت الحرارة التي تكتسح الدماء من الدماء لذلك أسكنتك هذا القلب!!
فحركه كمركب صياد تداعبه الريح عند كل جولة بلا أذى، وكن هنا فقط هادئاً مستقراً، فالأطفال كلهم نائمون، وأنت وهذا القلب فقط في أنامل الهدوء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق