حوارات

إحدى رائدات الصحافة السودانية "آمال عباس" في حوار مع (المجهر):

(السودانية الواعية).. هذا ما قاله الأديب العالمي “نجيب محفوظ” لـ” آمال عباس” وقالت هي: (نجيب ما ونّاس) يعيش شبه معزول.
عاشت كل الأزمان بنفس واحد ومبادئ راسخة متماهية أبداً مع الإنسان، تدعو لانفتاح فكري خلاق للمجد والتاريخ والإنسان، ركبت (الترماج) بأم درمان وتم تكريمها بـ (واشنطون) و(لندن).. كانت في مايو وأمام جلالة النميري كانت سيدة (نقطة النظام).. ولها ذاكرة مذهلة عن المرأة والفضيلة، وأكدت آمال أن 90% من مكتسبات النساء أنجزتها مايو.
الحوار ملئ بالحقائق والمعلومات والتأملات.. تحدثت في ضيفتنا تقريباً عن كل شيء: الدوبيت، الحاردلو، الدويم، الأغاني، عبد الخالق، واليوم الأسود، وقصة زواجها، وزيارات الموت المتكررة.
 كانت (المجهر) جرئية في أسئلتها، وكانت آمال واضحة وصريحة في إجاباتها.. فالى مضابط الحوار
{ آمال عباس.. هذا سؤال؟
– قالت بعد صمت طويل: أنا آمال عباس، ولدت في الأربعينيات بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتفتحت مداركي على ثقافة ما بعد الحرب واغنيات عشة الفلاتية (يجو عائدين ) و(طيارة جات تحوم كتلت حمار كلتوم) و( ست اللبن).
{ كنتِ بت الحارة؟
– أنا بت الحارة، لكن ما مدركة الأشياء بقدر تحليلي، كنت أمشي أي مناسبة عرس، وكنا نمشي مع السيرة لبيوت الأنصار ونزور بالمعنى داك الضرايح، ضرايح الختمية والأنصار.
{ ودخلتِ الكُتاب؟
– دا كان عالم عجيب.
{  كنتِ صبية العشرة أعوام.. مليحة وحلوة؟
– عمر العاشرة كان عمر تحصيل، وكانت مدينة أم درمان بوتقة ذكريات، كانت المهدية دافئة، ومعركة كرري لم يمر عليها وقت طويل.. كانت الآراء الأمدرمانية عن حكم الخليفة عبد الله وفي الأنصار ساخنة تحت الأحداث والحكاوي دافئة أيضاً.
{ وشفتِ المهدية بعيون صغيرة؟
– أنا من أسرة تضررت من المهدية، ففي يناير 1885م فقدت أسرة والدي 7 من أفرادها، منهم خيلان أبوي وأجدادي مثل وهبي بك.
{ (مقاطعة) بمناسبة “وهبي بك” إنتو أصولوكم من وين؟
– جد أبوي وهبي مصري وأمه تركية، ودا السودان خليط ومزيج فريد.
{ وبعدين؟
– وبعدين تعال شوف العجب، أمي ختمية وعمها أنصاري، وكنت أنا متلقية جيدة لكل هذا التلاقح، أنظر لحبوبتي أم أبوي لها كلام سلبي جداً عن المهدية الاجتماعية، وأسمع كلاماً يمجد المهدية بأنها أنقذت السودانيين من الاستعمار التركي.
{ ميلاد عامر بالأحداث أليس كذلك؟
– ولدونا على سرير النزيف بعد الحرب العالمية.. ضيق المعيشة والأغاني الوطنية.
{ وانطلقتِ وفي الجعبة محطات ومحطات؟
– والله ما أكذب عليك، أنا أي لحظة من حياتي عشتها بقناعات كبيرة ونهائية.
{ هل عشتِ حياتك واحدة من الناس؟
– أنا مواطنة صالحة، لا أوقف السعي مع الآخرين، ومفتاحي هو درجة إحساسي بالآخرين.
{ إنت ماشه صاح؟
– أنا ماشة صاح ودي قناعاتي.
{ متى كنتِ مسؤولة لحمل وشرح وحماية قناعاتك؟
– صرت مسؤولة عن الشأن العام منذ وأنا في المرحلة الوسطى، أحمل هموم الناس وأعبر عنهم.
{ إحساسك شنو إذا سمعتِ من غير شوف زول يكورك (آمال.. يا آمال)؟
– أنا من ما قمت سعيدة باسمي، اسمي آمال وهي ذاتها مفتاح، وجمع الأمل أمال، كنت أكبر زول في البيت نمرة واحد.
{ أنت البكر؟
– أنا البكر الواعية أكثر من اللازم، وكنت محظوظة ونشأت في أسرة مستقرة ومسالمة، يقودها أب فنان متصوف. 
{ أبوك متصوف وأنتِ شيوعية شيء غريب؟
– أبوي سماني قريب من الشيخ قريب الله، وعلاقتي بهم لسه قوية.
{ نرجع لمرحلة الكُتاب؟
 – بدأت الكُتاب بأم درمان في مدرسة السيد عبد الر حمن، جزء من معلماتي خالاتي، وانتقل أبي للدويم، وكانت بخت الرضا بؤرة ضوء.
{ الرحلة من الخرطوم للدويم.. حكاية مش كدا؟
– تستغرق ثلاثة أيام، كنا نجئ للبابور الساعة 4 صباحاً من الاسكلا عشان الكوبري يفتح لتمر الباخرة.
{ بت خرطوم (ماشة) للريف.. كيف كان الإحساس بتلك الحياة؟
 – بت خرطوم شنو، كنا نجهز البيض والطعمية، وكنا حافظين المحطات القطينة، ود الزاكي، نعيمة وأم جر.
{ وفي البابور كانت حياة؟
– الحياة في البابور حياة كاملة، قمرات النملية تجمع الناس من كل صنف البوستة، الأشغال القضائية، الموظفين (ولمة) الرجال والنسوان.
{ وإذا عدتم للخرطوم من الدويم.. ماذا تحملون؟
– نجيب حاجات الدويم، الجبنة المضفرة طبعاً و(الجداد الحي) النبق، اللالوب، والسمن وإذا وصلنا الخرطوم نقيف في الفتيحاب.
{ ماذا تبقى من تلك الرحلات؟
– يوميا أنظر للقاعة والاسكلا والبابور (المافي)، وأدندن بأبيات ود الرضي، زمن زمن زمن يا ولدي دلاي.
{ أنتِ خرطومية.. لماذا البكاء على التمدن؟
– أنا ما خرطومية 100% حبوبتي أم أمي من الجزيرة من النوبة، وأنا غير سعيدة بتطور القرى.
{ متى تعلمتِ القراءة؟
– في مدرسة ود نوباوي وأتذكر مرة جئت أبكي، قالوا لي مالك يا آمال، قلت لهم لم أعرف أكتب، وكان دا أول يوم لي في المدرسة.
{ كنت ….؟
– كنت مشوبرة.
{ مشوبرة، ولكن كانت الدراسة في مرحلة الكتاب بسيطة؟
– كنا نلبس دمورية، وكان المنهج الخياطة والتدبير المنزلي، نعمل الأكل السوداني، كيف نفرك الملوخية والتقلية، وكان في حصة رياضة.
{ دي البنت في زمنكم؟
– البنت إذا عرفت تطبخ، تخيط وتفرك، دا الأساس.
{ هل أنتِ شاطرة في المطبخ؟
– المطبخ زي الاستديو عاوز أيادي فنانة، وأنا فنانة جداً.
{ بعد ذلك حاولتِ تتعرفي على العالم من حولك؟
– مرة لقيت مجلات في بيتنا.. كان الغلاف هو الملك فاروق والملكة ناريمان.
{ هل أنتم جيل ثوب (الساكوبيس)؟
– نحن جيل التوب، وعلاقتي معه علاقة جميلة، وكانت الموضة على أيامنا (ضلعة الدكاترة) و(ابو قجيجة) و(بت الباشا المدير) الشيفون والبسكويت.
{ كنتم قريبين من الحركة الوطنية؟
– جيل الحركة الوطنية (فردة العظمة) و(شارع البرلمان) والسلك الدبلوماسي وعيون زروق والنهر الخالد.
{ وماذا عن المعلمات في ذلك الزمن.. هل كن حديث الناس؟
– هن الطبقة الأولى، رفدن المجتمع بطلائع وطنية وذهبن لدارفور، وركبن الحصين والحمير والمراكب شمال شرق وغرب وجنوب ووسط.
{ ما في جهوية زي الأيام دي؟
– مافي مافي مافي، والحركة الوطنية نشأت معافاة.
{ متين أحستت بأنك تطورت؟
– حينما عرفت اقرأ مجلة (صباح الخير) و(روز اليوسف) و(مكسيم غوركي)، وتعرفت على العقول المتحررة والقلوب الشابة.
{ وانشأت جريدة صغيرة بحجم ورق الفلوسكاب؟
– نعم، ومواضيعها فلانة غابت، وفلانة طردوها من الحصة.
{ كيف كانت الموضة على أيامكم؟
– أنا القدامك دي لبست الفستان (أب حمالات)، ولم تكن إشارة لفوضى، لأن المجتمع كان واعياً، وكانت النظرة للمرأة كإنسانة وليس كجسد، وفي مثل هذه الموضة كانت الفضيلة منتشرة.
{ وتعلمتي أكثر؟
– عرفت العبادي والمتنبئ والدوبيت.
{ كنتِ مشوبرة؟
– وليه لا، أنظر لمعلماتي في المرحلة المتوسطة بالأحفاد، هن رائدات الحركة النسائية “فاطمة أحمد إبراهيم” درستني رياضيات، و”ثريا أمبابي” انجليزي، و”فاطمة عبد الكريم البدري” جغرافيا، ومن الوسطى انطلقت.
{ ياتو انطلاقة؟
– انطلقت في آفاق العلم والمعرفة.
{ كنتِ ممثلة؟
– عشان كان عندي أب لديه اهتمامات فنية، وكنا نعمل البروفات في بيتنا بالدويم.
{ لماذا الاتفاق على الستينيات والسبعينيات إنها الزمن الجميل؟
{ أنظر لهؤلاء (نبتة حبيبتي) و(خراب سوبا)  لـ”خالد أبو الروس” و”طبقات ود ضيف الله”.
{ وماذا عن المسرح؟
– المسرح دخل في عهد عبود، وأتذكر كتبت رأياً في مسرحية (جوابات فرح) لـ”يوسف خليل” ومسرحية (أكل عيش) لـ”الفاضل سعيد” و(مدير ليوم واحد) و(التمر المسوس)، وكانت دي بالخصوص تنتقد الخدمة المدنية.
{ في الزمن دااك كان نجم “علي عبد الله يعقوب” في الآفاق؟
– دا صحيح، وقد أسس النادي الثقافي الوطني بأم درمان في 67 .
{ وكانت الطبقة الوسطى موجودة وبخير (مش كدا)؟
– الطبقة الوسطى متمددة ومرتاحة، وكانت هي قلب المجتمع، كان الحرفيون سعداء والتجار مبسوطين، والموظفون مستقرين، وما كانت في فجوات.
{ و(افتكر) كان الأغنياء أولاد بلد؟
– الأغنياء معروفون، إما تجار أو ورثة، لم يكونوا أغنياء غفلة، وأظن أن الخلخلة حصلت بعد الثمانينيات.
{ وين الإخوان في هذا الزمن الجميل؟
– الأخوان لم يكونوا الكفة الراجحة.
{ الشواهد تؤكد أنهم كانوا يعملون مع الجماهير؟
– قناعتي الكبرى أن الإنسان يصيغه الفن لا القرارات ولا الخطب من خلال الكلمة والفكرة، وأنسب مكان لإدارة المجتمع هو المسرح وليس البرلمان.
{ وبالتالي الأخوان غير موجودين في المسرح؟
– أظن ما يفعله (الاسكيتش) من تأثير لا تفعله الخطب السياسية لسنوات.
{ وظرفاء أم درمان؟
– ما متاح نعرفهم، والناس لا يحتفون بظريفات المجتمع لانو المسكوت عنه للنساء صعب أن يقال كما يفعل ظرفاء المدينة والمجتمع يوفر لهم حماية.
{ و(كيف) الأمومة في الزمن داك؟
– (الأمات) في الزمن القديم تقليديات، وأمات الليلة مع الموضة والمشغوليات وما مايلات للرضاعة.
{ زمنكم مليان حنية؟
– علاقاتنا مع أمهاتنا قوية ( مقههين طوالي).
{ حدثينا عن الترماج؟
– كنا (نزوغ) من الكمساري ونقرأ (وجعلنا من بين أيديهم سدا)، وكان اليوم طويل وجميل، شجرة الظبطية وعمنا فلاح صاحب أقدم مكتبة.
{ عشتِ أيامك يا آمال؟
– أنا أصلاً من ما قمتا زعيمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق