تقارير

لقاء البشير، سلفاكير.. إذابة الجليد بين الدولتين

في خطوة مشتركة، أفلح رئيسا وفدي التفاوض في دولتي السودان وجنوب السودان، عبد الرحيم محمد حسين، وباقان أموم، في إقناع الرئيسين عمر البشير، وسلفاكير ميارديت، بعقد لقاء مكاشفة مشترك، والجلوس بصورة ثنائية مباشرة، وبدا أن حالة الانسجام والتفاهم المتبادل بين عبد الرحيم وباقان قد أتت أكلها سريعاً في الخطوات التي بدأت أولاً بالاتفاق على إستراتيجية جديدة بين البلدين، توطئة لمسار العملية التفاوضية مجملاً، وحسب مصادر مطلعة، تحدثت لـ(المجهر)، فإن الرجلين (عبد الرحيم وباقان) قد توليا مهمة إقناع رئيسي الدولتين بالجلوس مع الطرف الآخر، وأفادت ذات المصادر أن وفد اللجنة الفنية للمفاوضات، برئاسة إدريس عبد القادر، لم يكن جزءاً من اجتماع القمة الرئاسية، على الرغم من أن الوفد ظل باقياً في العاصمة أديس أبابا ولم يغادر إلى منطقة بحر دار المقر الجديد لجولة المفاوضات. وحسب ما ورد في الأخبار فإن اللقاء الذي استمر قرابة الساعة حضره من جانب السودان كلٌّ من وزير رئاسة الجمهورية الفريق ركن بكري حسن صالح، ووزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين، بالإضافة لوزير الخارجية علي أحمد كرتي، ومن جانب دولة الجنوب حضره كل من باقان أموم، ودينق ألور. لكن الرئيسين جلسا مع بعضهما بصورة منفردة في الجزء الأخير من اللقاء، بعد خروج أعضاء وفدي البلدين. ووصف كرتي الفترة الزمنية التي شارك فيها الرئيسين لقاءهما الأول، منذ تصاعد أحداث هجليج أبريل الماضي، بقوله: (إن النقاش بين الرئيسين كان ودياً وصريحاً، وتطرق إلى العقبات التي تواجه المفاوضات، بجانب المشكلات التي يعاني منها السودان جراء استضافة الجنوب لعدد من الحركات المسلحة). ووفق رؤية وزير الخارجية، فإن اللقاء سيسهم في مساعدة المفاوضين في البلدين في تجاوز الكثير من العقبات، وعلى الأقل العقبات النفسية التي كانت تحول دون الوصول إلى حلول للمشكلات بين السودان ودولة الجنوب. ويتضح من موافقة الرئيس سلفاكير على الذهاب إلى مقر إقامة الرئيس البشير جدية دولة جنوب السودان في إزالة ما علق بالنفوس خلال الأشهر الماضية، كما يشير إلى أن جوبا تجدد دعوتها الى الرئيس البشير لزيارة الدولة الوليدة، وكأن سلفاكير  يقول للبشير (مرحباً بك في جوبا)، بعد أن ألغيت زيارته التي كان مقرراً لها أبريل الماضي ، فيما توقع كثيرون أن تكون الخطوة القادمة هي زيارة الرئيس البشير إلى جوبا في حال سارت الأمور مثلما هو متفق عليه.
ويذهب محللون إلى أن لقاء القمة الرئاسية من شأنه إزالة الكثير من الغموض الذي اكتنف مخرجات جولتي التفاوض السابقتين، إذ يمكن فهمه في سياق مالم يُكشف عنه في الجولة قبل الأخيرة، التي اختُتمت بتوجيه الوساطة الأفريقية لفريقي التفاوض بإجراء مشاورات مع القيادة العليا في البلدين لتضيف إليها مخرجات الجولة الأخيرة غموضاً آخر بإعلان الطرفين توصلهما إلى صيغة إستراتيجية الغرض الأساسي منها إعادة الثقة المفقودة بين البلدين. فيما يسود اعتقاد واسع أن قيادتي وفدي التفاوض توافقتا على إحاطة جولات التفاوض بسرية كاملة؛ حتى تسهم في ضمان نجاح مساعيهما التوافقية، وبدا أن هذا التكتم الإعلامي من أبرز البنود التي اتُّفق عليها في الخطة الإستراتيجية. وحسب متابعين، فإن من مصلحة الطرفين عدم إشراك الرأي العام المحلي في الخرطوم وجوبا في تفاصيل ما يحدث في أديس أبابا، والاكتفاء فقط بإعطاء مؤشرات عامة تساهم بصورة ما في تهيئة الرأي العام الداخلي في تقبل ما ستتمخض عنه الجولات المشتركة بين البلدين، لا سيما بعد حالة الإحباط التي أصابت الشارع العام الذي كان متفائلاً بزيارة باقان أموم للخرطوم، في مارس الماضي، لتعاني العلاقة بين البلدين بعد تلك الزيارة حالةً من عدم الثقة، تنافس خلالها الجانبان في تبادل الاتهامات.
وفيما تمضي مهلة مجلس الأمن نحو نهاياتها، فإن مجرد التركيز على بناء أسس قوية تعيد الثقة إلى البلدين وتبعد شبح الحرب، يبدو مقنعاً للدولتين، فحسب المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، العبيد مروح لـ(المجهر)، فإن لقاء الرئيسين له ثلاث رسائل أساسية؛ أولاها إلى المجتمع الدولي ومجلس الأمن تؤكد أن الدولتين تجاوزتا حالة الاحتراب والمواجهة، وأن الأولوية الآن للتفاوض والعمل على تنفيذ قرار مجلس 2046 ، أما الرسالة الثانية فهي لفريقي التفاوض وتفيد بأن التفاهم الإستراتيجي الذي تم في الجولة السابقة مدعوم من القيادة العليا في البلدين، ويرى العبيد أن إظهار ذلك الدعم يؤثر بصورة إيجابية على الجولة المقبلة، كما أن هناك رسالة موجهة الى الداخل مفادها أن البلدين شرعا في خطوات عملية لوضع حد للنزاع والدخول في تفاهمات مشتركة.
وعلى الرغم من روح الأجواء الإيجابية التي تسود العاصمة الأثيوبية إلاّ أن مراقبين يميلون إلى ترجيح أن الخرطوم ستقدم تنازلات مجدداً على طاولة المفاوضات، لاسيما وأن الرئيس عمر البشير أشار في خطابه أمام اجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق حول خارطة الطريق التي طرحتها الوساطة الأفريقية، والتي سبق أن تحفظت الحكومة السودانية على بعض ما ورد فيها، وحديث الرئيس البشير بأهمية تحديد المنطقة العازلة يدلل على قرب التوصل الى صيغة توافقية حول خط الصفر، وهو ما رفضته قبيلة المسيرية التي اعترضت على تضمين منطقة 14 ميل ضمن حدود دولة الجنوب، واعتبرت أنه، وفي حال موافقة الحكومة على ذلك، فإن الأمر سيكون بمثابة إعلان حالة الحرب، ولم يستبعد المحلل السياسي حسن الساعوري أن يكون لقاء الرئيسين قد تمخض عن مشروع اتفاق سيُماط عنه اللثام بعد حين، وعزا الساعوري، في حديثه لـ(المجهر)، حالة التكتم على مشروع الاتفاق لأسباب ترتبط بتهيئة الأجواء في الداخل لقبوله من الرأي العام والحكومة، وأضاف: (لم تكن مقابلة الرئيسين أمس مقابلة تحية ومجاملة).

مقالات ذات صلة

إغلاق