الديوان

انتهاك حرمة الطريق العام

مشهد أول
بينما كانت تلك الفتاة الجميلة المهندمة تقف بذوق وحشمة على ناصية الرصيف وهي تتأبط دفاتر وكتب، وتعلق حقيبتها على كتفها، وتنشغل تارة بإزاحة حبيبات العرق المتجمعة على جبينها النضر، وأخرى تتلفت يمنة وهي تصدر زفرات تطرد بها الملل الناجم عن انتظار وصول مركبة لا تأتي، لتقلها إلى حيث تدرس في قلب العاصمة الخرطوم.
لكن هيهات فقد اختلط على البعض حابل بنات الشوارع بنابل بنات البيوت، وهي في وقفتها تلك إذا بعربة فارهة تتجاوزها ببطء وتقف غير بعيدة عنها، ثم يشرع صاحبها أو سائقها – ما فرقت – بكل وقاحة في إطلاق العنان لبوق سيارته يدعوها صراحة وعلى الهواء مباشرة لرفقته غير المأمونة.
المشهد برمته حفز ملكات الكثيرين الخيالية، ورفع قرون استشعارهم عالية خفاقة،  لمعرفة من تلك التي يُنادى عليها بالفم المليان في وضح النهار عبر مكبر صوت السيارة، وأخذت السيارات المارة تهدئ من سرعتها بعد إزاحة الزجاج من على جنباتها لتتمكن من الرؤية، بينما ظل المترجلون يتلكئون حتى لا يفوتهم المشهد الأخير من المسرحية (الشارعية)، الذي انتهى بأن استغلت الفتاة أول عربة أجرة مرت أمامها فأوقفتها، فأسدلت بذلك الستار على الجميع وأوقفت اصطكاك ركبتيها وتدفق عرقها ودفعت كل مصروفها الأسبوعي ربما لتلوذ بالفرار من هذا (الرجل) الما بختشي.
مشهد ثاني
في مؤخرة المركبة العامة جلست السيدة الحسناء المخضبة البنان، والمتسربلة بثوب سوداني أصيل ومحتشم، لكن كل ذلك لم يعصمها من نهش العيون، سيما عيون ذاك الشيخ الستيني الذي كان يجلس أمامها (بكم مقعد كده) حتى كاد عنقه المخطط بالتجاعيد أن ينكسر (كع) من كثرة التوائه نحو السيدة التي ما أن رمقته بنظرة أشبه بالشظية حتى استعدل قليلاً إلى الأمام، لكن مراهقته المتأخرة حالت دون تأدبه، فأخذ يلتفت مرة أخرى لفتة أو لفتتين على رأس كل دقيقة أو دقيقتين، ما جعل عدد لا بأس به من الركاب يلتفتون إلى حيث مرمى نظر الشيخ لاستجلاء الأمر. فما كان من السيدة التي نفسها في وضع حرج إلاّ إيقاف المركبة عند أول محطة قطعاً لم تكن مقصدها لكن المضطر (ينزل) من الصعب.
وبينما يمضي بنا الوقت يمارس رجال كثيرون سخافات و(هبل وعبط) كبيرين لا يتناسب وسنهم ولا طبيعة المجتمع، وينتهكون حرمة الطريق العام وأعراض الأسر، ويخدشون الحياء العام دون حياء أو وجل. اختشوا يا هؤلاء!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق