تقارير

المنظمات الطوعية والتمويل.. جدل لاينتهي!!

نشر المركز الوطني لنشر الديمقراطية الأمريكي الأسبوع الماضي تقريراً كشف فيه   أسماء (13) منظمة طوعية وطنية، قال إنه منحها مبلغ (705) آلاف دولار للمساهمة في نشر الديمقراطية ومفاهيمها في السودان. وذكر المركز الأميركي، الذي مقره واشنطن، في موقعه على الانترنت أن مركز الخاتم عدلان للتنوير والتنمية البشرية تسلم مبلغ (60) ألف دولار لتعزيز التعايش السلمي في شمال السودان من خلال إصلاح التعليم، بالإضافة إلى تسلمه مبلغ(41.960) دولار أخرى، لتعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني التي تعمل على تخفيف حدة النزاعات في فترة ما بعد الاستفتاء في السودان، وتعزيز مشاركة المواطنين في عمليات المشورة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق. وأشار المركز الأميركي لنشر الديمقراطية إلى أن مركز البادية لخدمات التنمية المتكاملة منح مبلغ (62.600)  دولار، لتعزيز المصالحة والتعايش السلمي، وتخفيف حدة النزاعات بين قبائل الدينكا والنوبة والمسيرية في الحدود بين جنوب كردفان وشمال بحر الغزال، بجانب تدريب 250 من شباب النوبة والمسيرية في آليات حل النزاعات، بما في ذلك الاتصال الفعال وإدارة الشائعات، وتنظيم يوم للسلام .
وقال التقرير الذي نشره المركز الأميركي، إن مركز الجندرة للبحوث والتدريب تسلم مبلغ (55.400) دولار، لتعزيز حقوق المرأة في فترة ما بعد الاستفتاء في شمال السودان، بجانب إعداد ثلاث أوراق عمل خاصة بحقوق المرأة لتضمينها في الدستور، كما يقوم المركز بإعداد دليل مبسط على أساس الوثيقة الدستورية.
وأكد التقرير أن مركز جسر للتنمية تسلم مبلغ (34.480) دولاراً، لتشجيع شباب الصحافيين للمساهمة الفعالة في الإعلام والصحافة، ولتنظيم ورشتين لبناء القدرات للكتاب الشباب من الصحافيين، وطلاب الإعلام، بجانب الاستمرار في إصدار نشرته الأسبوعية بالإضافة إلى تنشيط موقعه الالكتروني.
وأبان أن مجموعة هيلا هوب منحت مبلغ (27.415) دولاراً، لتعزيز التعايش السلمي في السودان خلال فترة ما بعد الاستفتاء، ولتدريب المغنين وغيرهم من الفنانين على استخدام الفنون لتسوية الصراعات، وتنظيم أربعة عروض في ولايات النيل الأبيض والجزيرة والنيل الأزرق وجنوب كردفان، ولتشجيع الانتقال السلمي للأوضاع الاجتماعية والسياسية بعد الاستفتاء في جنوب السودان، كما تقوم المجموعة بإنتاج أغنية تسلط الضوء على رسائل سلام.
كما تسلم  معهد تطوير المجتمع المدني، كلية شرق النيل – بحسب ذات التقرير – مبلغ (48.165) دولاراً، لتعزيز المشاركة السياسية النشطة والفعالة بين الشباب في ولاية الخرطوم، ولتنظيم ورشتي بناء قدرات للناشطين من شباب ولاية الخرطوم. كما تسلم ذات المعهد مبلغ (105.500) دولار، لتشجيع وتعزيز المشاركة الفعالة للشباب في عملية صنع الدستور السوداني. هذا بالإضافة إلى مراكز ومنظمات أخرى ذكرها الموقع الالكتروني مع انه لم يذكر كيفية تسليم هذه الاموال ومتى كانت, وهل هنالك مراجعة دورية وثابتة للطريقة التي تم التصرف بها في هذه الأموال.
ويفتح هذا التقرير جدلاً قديماً ومتجدداً حول مصادر تمويل المنظمات الطوعية الوطنية سواء كانت ذات توجهات ليبرالية, كالتي وردت في هذه القائمة, أو ذات توجهات إسلامية, وهي كثيرة ومنتشرة في الخرطوم وتتلقى أموالاً ودعماً من الحكومة نفسها ومن جهات إسلامية خاصة من منطقة الخليج العربي. ويأخذ هذا الجدل منحىً جديداً في أعقاب الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، التي كانت إحدى شعاراتها المرفوعة إسقاط الحكومة السودانية؛ الأمر الذي دعا الأخيرة إلى اتهام منظمات محلية وتمولها (جهات غربية)  وتسعى إلى إسقاطها. كما أن نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني, الدكتور “نافع علي نافع” قد اتهم منظمات وطنية – ذكر اسمها صراحة-  بالسعي إلى إسقاط حكومة الإنقاذ عبر استلامها تمويل من جهات غربية وأمريكية. غير أن الدكتور “علي آدم حسن” مدير عام المنظمات بمفوضية العون الإنساني المسؤولة عن عمل هذه المنظمات يقول (إن القانون أصلاً يمنع تمويل المنظمات الوطنية من جهات خارجية). وأوضح خلال اتصال هاتفي مع (المجهر) يوم أمس قائلاً: (إلا أننا تسهيلاً لعمل المنظمات الوطنية لا نتمسك بهذا الأمر  تجاوزاً, ونترك المنظمات تأتي بالتمويل من الخارج لتمويل مشروعات من جهات خارجية). وتابع حسن يشرح (وهذه المشروعات لاتتم إلا عبر مراجعة المفوضية وموافقتها عبر اتفاقية فنية بين الطرفين في القطاع المعني سواء كان في التعليم أو الصحة أو غيرها من القطاعات). وكشف مدير المنظمات بمفوضية العون الانساني أن عدد المنظمات الوطنية المسجلة بلغ عددها نحو (4500) منظمة يعمل أغلبها في مناطق النزاعات. ويرى “الباقر العفيف” مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة, أحد المراكز التي ورد اسمها في التقرير، إنه ليس بالضرورة أن تكون هنالك تبعية للمنظمة للجهة المانحة قائلاً: (التمويل ومصادر التمويل لا تعني التبعية بالضرورة). وأشار خلال برنامج تلفزيوني بالـ(بي بي سي) مؤخراً أن هنالك نوعاً من المناصرة بين منظمات وطنية وأخرى دولية حول قيم متفق عليها مثل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان, وبالتالي فإن الجهات التي لها وضع مالي جيد يمكن أن تساعد الجهات الأضعف مالياً ولا يوجد أحد يملي علينا شيئاً.
ودائماً ما تساور التساؤلات حول الطريقة التي أنفقت فيها أموال المانحين من قبل المنظمات الطوعية الوطنية في ظل انعدام الرقابة المباشرة والصارمة من الجهات المعنية. ولعل من أشهر تلك القضايا تلك التي فجرها الناشط الذائع الصيت “صلاح البندر”, عندما اتهم مركز الخرطوم لحقوق الانسان وتنمية البيئة، وتحديداً قياداتها، بالفساد المالي في أموال المانحين الأجانب، والتي وصلت نحو مليون دولار كانت مخصصة لضحايا العنف والتعذيب بدارفور, وهي الحملة التي كان من شأنها أنها جعلت السلطات المختصة تعمد إلى إغلاق المركز ومصادرة ممتلكاته ومقاره وتجميد حساباته. وفي هذا الصدد يقول الدكتور “حيدر إبراهيم” مدير مركز الدراسات السودانية, وأحد المراكز التي ورد اسمها ضمن تقرير المنظمة الأمريكية أن مركزه يعمل على مراجعة حساباته بواسطة خبراء مختصين.
 وضرب “إبراهيم”، في حوار كنت قد أجريته معه في وقت سابق, مثلاً بعملية تمويل التقرير الاستراتيجي الذي يصدره كل عام عن الوضع في السودان بقوله (هنالك طريقة محددة ومعروفة لمسار الأموال, مثلاً فيما يتعلق بالتقرير قدمت مقترحاً لعدد من المانحين لطباعة التقرير؛ لأنها أكبر مشكلة تواجهنا بعد أن وضعنا التكلفة وأرسلنا لهم الفواتير, وتقوم جهات عديدة بتمويلها وباحترام شديد. ثم إنني أكون عاطلاً لو لم أستطع أن أبني شبكة من العلاقات بعد 30 سنة من العمل في هذا المجال).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق