تقارير

قُبيل الوصول إلى اتفاق شامل.. الخرطوم وجوبا.. أزمة مكتومة تهدد بنسف المفاوضات

فيما تمضي جهود الوساطة الأفريقية والمجتمع الدولي إلى استغلال الأجواء الإيجابية التي رفعت بها آخر جولات التفاوض بين دولتي السودان وجنوب السودان قبل أقل من شهر، وذلك بإنزال ما تم التوافق عليه حول ملف النفط على الأرض واستئناف تدفق السائل الأسود عبر أنابيب الشمال مرةً أخرى؛ أخطرت الوساطة طرفي التفاوض باستئناف المفاوضات الخميس المقبل في جميع المسارات في التوقيت ذاته؛ وذلك كسباً للوقت لاسيما بعد أن أعطى مجلس الأمن الدولتين مهلة جديدة مدتها شهر بتوصية من مجلس السلم والأمن الأفريقي .
إلاّ أن تلك الروح الإيجابية التي دونت بالأحرف الأولى في محاضر الوساطة الأفريقية لم يصاحبها أي جهد موازٍ لإعادة بناء الثقة بين شعبي الدولتين بالصورة التي تشكل حماية للاتفاقيات التي توصل إليها الجانبان، وبدأت مؤشرات عدم الثقة تظهر بصورة جلية في شكل أزمة دبلوماسية مكتومة حينما غاب اسم رئيس الدولة الوليدة سلفاكير ميارديت من قائمة أسماء رؤساء وزعماء الدول الصديقة التي أرسلت معزية في حادث طائرة تلودي التي راح ضحيتها 32 شخصاً أول أيام العيد، وبدا أن الفاجعة التي ألمت بالشعب السوداني في أول أيام عيد الفطر المبارك جعلت الكثير من المتابعين يدققون ملياً في الذي أرسل مؤاسياً ومعزياً في فقداء البلاد ومن آثر الصمت، واللافت أيضاً أن رئيس الجارة الجنوبية لم يرسل مهنئاً بمناسبة عيد الفطر كما هو دارج في العرف الدبلوماسي حيث يتبادل رؤساء الدول التهاني في المناسبات الدينية والقومية، لكن ووفق إفادة السكرتير الصحفي لرئيس الجمهورية، عماد سيد أحمد لـ( المجهر)، “فإن القيادة السودانية لم تتلقَّ حتى الآن برقية تعزية في شهداء تلودي مثلما لم تتلقَّ تهنئة بمناسبة عيد الفطر من رئيس دولة الجنوب “.
ويعتبر خبراء دبلوماسيون خطوة سلفاكير تلك تصب في الاتجاه الخطأ لنشوء علاقة سوية بين الدولتين الجارتين، كما أنها ترسل رسائل سالبة إلى شعب الشمال وحكومته على حدٍ سواء، خاصة وأن سلفا كان قد خاطب مهنئاً مسلمي الجنوب بمناسبة حلول شهر رمضان مما يوحي بأن إحجامه عن المعايدة أو التعزية خطوة مدروسة ومقصودة. ويتضح من ذلك أن أزمة الثقة بين البلدين لا تزال قائمة وتحتاج إلى مزيد من الخطوات العملية على الأرض ربما لن تكفي الخطة الإستراتيجية التي اتفق عليها البلدان في خواتيم الجولة قبل الأخيرة في إعادتها إلى معدلها الطبيعي حيث اتفق الجانبان على مبادئ عامة لاتفاق أمني سياسي يرسخ لمبدأ وقف الأعمال العدائية، على أن يكون الإطار الحامي لذلك خطة إستراتيجية اتفق عليها رئيسا الوفدين تهدف بصورة أساسية إلى إعادة بناء الثقة والتعامل بمبدأ حسن النية .
غير أن ما بدا وكأنه مكتوم في شكل العلاقة بين البلدين لم يتوانَ رئيس دولة الجنوب في إظهاره للعلن والبوح به على الملأ في خطاب جماهيري قبل ثلاثة أيام عزز خلاله من أمجاد ونضالات الحركة الشعبية التي قادت أول ثورة لشعب الجنوب لنيل حريته في العام 1955، ومضى سلفاكير في خطابة بمدينة توريت مذكراً شعبه بأنه متمسك بعدم تصدير بترول الجنوب عبر أنابيب الشمال ما لم  يتوصل الطرفان إلى اتفاق عادل، وأضاف: “خيرٌ لنا أن نموت جوعاً من أن ندع البشير يسرق نفطنا ” .
كلمات مقتضبة لكنها ترجمت واقعاً مأزوماً بين الدولتين، إذ اعتبرت الحكومة السودانية تصريحات رئيس الجنوب الغرض منها تعبئة الرأي المحلي للالتفاف حول الحكومة المركزية في وقت تتعرض فيه جوبا إلى ضغوط دولية مكثفة لكي تتصرف كدولة مسئولة تفعل ما ينبغي فعله للتوصل الى صيغة توافقية حول ملف النفط وغيره من الملفات العالقة بين البلدين، ويرى مصدر حكومي، تحدث لـ( المجهر)، أن تصريحات سلفاكير تأتي كمحاولة منه لتبرير فشل حكومة الجنوب في المضي بشعبها إلى آفاق البناء والتعمير رغم ما يمتلكه الجنوب من ثروات هائلة، وأضاف المصدر ذاته: “حكومة سلفاكير محاطة بتحديات دولية من تهم بالتطهير العرقي والأزمات الإنسانية المستفحلة في الجنوب؛ لذا كان لابد من أن يبرر لشعبه لماذا اتخذ قرار وقف ضخ النفط “. في الوقت الذي وجهت فيه الخارجية الأمريكية نصائح صارمة الى جوبا بشأن التوصل لاتفاق مع السودان حول النفط، كما أوصت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في أول زيارة لها الى جوبا رئيس دولة الجنوب بضرورة تحقيق السلام الدائم مع دولة السودان. ويسود اعتقاد واسع أن فرص إقامة علاقة سوية بين الدولتين أضحت شبه منعدمة، وأن أزمة الثقة تحتاج الى إعادة صياغة لوجدان شعبي البلدين حتى يتقبل كل طرف الآخر، فيما يرجح محللون أن تدفع المصالح المشتركة بين الطرفين في طريق تبديد أزمة انعدام الثقة وإزالة الحواجز التي تعترض مسار العلاقات الثنائية  بينهما . وكان من المؤمل أن يؤدي إخضاع مجلس الأمن ملف القضايا العالقة إلى الرقابة الدولية المحكومة بفترة زمنية حددها بثلاثة أشهر تنتهي بالتهديد بفرض عقوبات على الدولتين على حدٍ سواء ، إلى أن يقود ذلك إلى مدخل استراتيجي للعلاقة بينهما، ولكن رغم ذلك تمخض عن الثلاث جولات التي أعقبت قرار مجلس الأمن 2046 التوصل لاتفاق حول أسعار رسم نقل خام البترول الجنوبي عبر أنابيب الشمال وهو ما لم يُفعّل حتى يتم الاتفاق حول الملف الأمني وفق شروط وفد حكومة السودان، التي ترى في موافقتها على سعر أقل من الذي كانت دفعت به في رؤيتها هو جزء من إبداء حسن النوايا. اتفاقٌ يظل برغم الترحيب الكبير الذي قوبل به؛ مجرد نقطة في سير المفاوضات التي لا تزال القضايا الأمنية تمثل عقبة كؤود في طريق انسيابها نحو النهايات، فالخرطوم تصر على التمسك بتوقيع اتفاق حولها قبل أي شيء آخر، باعتبار أن مسألة وقف العدائيات وتأمين الحدود هي الأهم بالنسبة لها، إذ لا يمكن للخرطوم أن تدر على خزينة الجنوب ما يعينها على تسليح نفسها ومهاجمتها. ما يعني أن الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق شامل بين السودان والجنوب، يظل أمراً بعيد المنال، على الأقل في الوقت الحالي، في انتظار ما تخبئه الأيام في الجولات المقبلة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق