رأي

"بلايل" .. الحال من بعدك (مايل)..!

{ صبيحة الأحد 19 أغسطس 2012م أول يوم فرحة عيد الفطر المبارك، رن جرس الهاتف، وجاء خبر سقوط طائرة تلودي التي على متنها الأستاذ “مكي علي بلايل” مع تأكيد نبأ استشهاده مع أخيار آخرين.. وبذا أُسدل الستار على تلك الفرحة، ليتحول المشهد إلى حزن عميق يعلوه نحيب وعويل، رغم الرضا التام بقضاء الله وقدره، وامتثل الجميع أخيراً لقول رسولنا الكريم صلوات الله عليه (إن القلب ليحزن والعين لتدمع وإنا لفراقك لمحزونون).
وها نحن يا “بلايل” لفراقك جد محزونون.. لما تركته من فراغ يستحيل ملأه، لأنك جمعت كل الصفات الحميدة الطيبة.. فمن أين نأتي بمثلك ليشغل مكانك؟ يكون مستقلاً برأيه ويملك قراره، شجاعاً لا يخشى في الحق لومة لائم، عادلاً لا يرضى الظلم للآخرين، ذا عقل راجح تكون حكمته مخرجاً من التعقيدات الصعبة، ذا علم غزير ينتفع منه كل من يجالسه، متواضعاً لا يُميز من عامة الناس، كريماً باسطاً اليد دوماً، صبوراً حتى يعجز الصبر عن صبره، مفوهاً يمتلك ناصية البيان، كاتباً قلمه سيف بتار، عفيفاً لا تستهويه الأهواء، خلوقاً تخلّق بالكتاب والسنة..
سبحان الذي جمع عند “بلايل” كل تلك الخصال ليجعل منه قائداً فذاً بكاريزما عالية، فسطع نجمه حتى صار أمل الكثيرين في الخلاص والبناء بتعاون مع الخُلّص من أبناء هذا الوطن حتى ينعم البقية بالاستقرار والرفاه.. وبموته أفل نجم هذا الأمل وأصبح الحال من بعده (مايل)، خاصة وأن ما كان مصدر همومه قضايا الوطن وعلى رأسها قضية السلام في جبال النوبة التي ساقته إلى طائرة تلودي ليلاقي حتفه هناك، وغيرها من القضايا العامة السياسية والاقتصادية ستظل في أمس الحاجة لرجال مثله، يجهرون برأيهم بالطرح القوي والرؤية الثاقبة حتى تفضي بنا إلى تسوية سياسية شاملة بعيداً عن الثنائية كما دعا لها الشهيد.. وتحقيقاً لما كان يرنو إليه الشهيد، وأصبح أملنا أن يصل مبتغاه، وحالت إرادة المولى دون ذلك، فالجميع، دولة وشعباً، مطالبون اليوم بالمضي قدماً في درب الإصلاح وفاءً لدماء الشهداء، ونرى لتحقيق هذا الحلم ضرورة إرسال رسائل قصيرة لذوي الشأن.
{ الرسالة الأولى إلى جميع قطاعات الشعب السوداني، فقد رأينا فيكم في عزاء الشهداء – خاصة الشهيد” مكي علي بلايل” – وفاءً منقطع النظير، أكد لنا أن الشهيد كان يخدم الوطن كله لا الحزب ولا الجهة ولا القبيلة أو الأسرة.. فالعشم كل العشم بسقاية تلك البذرة التي بذرها عرفاناً وتقديراً له، وحتماً ثمرتها ستؤتي أكلها للعامة وهذا ما كان يصبو إليه الشهيد وبذا تكونون قد أوفيتم العهد له.
{ الرسالة الثانية إلى دولة السودان، ونقول من دون مواربة إن الواجب يملي عليكم مراعاة أسر هؤلاء الشهداء المكلومة دون تمييز، ومنهم الأستاذ “مكي علي بلايل”، فقد رحل هذا الشخص ولم يترك لأسرته سوى المعاني، لا المباني.. هذا بجانب أن للشهيد كتابات ثرة وقيّمة تركها متناثرة تحتاج لجمع وتوثيق يفوقان إمكانيات أسرته الفقيرة، فالعشم أن تتبنى الدولة تلك الرسالة ممثلة في وزارة الإعلام.. ولا ينقطع العشم في أن تسمي الدولة مرفقاً في الحارة (2) أمبدة.. كأن تُسمى إحدى مدارسها باسم الشهيد، ولهم وافر الشكر، وأظن أن الدولة أولى بهذه المبادرة، ونعتقد جازمين أن هذه المطالب لا تساوي شيئاً قياساً بما قدمه الشهيد لهذا الوطن، ونأمل أن لا يُظلم مرتين.
{ الرسالة الثالثة إلى حزب العدالة قيادة وقاعدة، نقول إن الفقد لجلل وأن الفراغ لجد كبير، وعليكم بالصبر الجميل، والعزيمة المتجددة، والتكاتف والترفع عن الصغائر والأطماع.. وهي وصفة نقدمها لكم وقاية من فيروس التشظي والانشطار، وترياقاً للتماسك الذي دونه لا تستطيعون العبور قيد أنملة ببرامج الحزب التي هي تركة الشهيد الثقيلة على عاتقكم، فعلى لجنة القيادة أن تجعل من هموم الشهيد، من قضايا، برنامجاً لنشاطها السياسي والتنظيمي وعلى رأسها قضية السلام في جنوب كردفان الذي من أجله لقي ربه راضياً مرضياً بإذن الله، وذلك بدءاً بوقف إطلاق النار، وفتح مسارات للحالات الإنسانية عبر اللجنة الثلاثية، ومن ثم التسوية الشاملة التي فصلها الشهيد في مخرجات المشورة الشعبية.. هذا بجانب همّه بالقضايا الدستورية والتنظيمية للحزب وعلى رأسها المؤتمر العام، إضافة للمسائل المالية والإدارية التي نفصّلها لاحقاً في موضع آخر.
{ ورسالة خاصة أخيرة إلى الخيرين من أبناء هذا البلد، ولا نخفي أن من مآثر الفقيد أنه كان راعياً لرابطة المنطقة (الصبي) وآخر إنجازاتها يحسب له، موثق بتاريخ 17/10/2012م، إذ صرف إعانة الزي المدرسي وملحقاته (شنط وأدوات مدرسية) لـ (132) تلميذاً وتلميذة من الأيتام وأبناء النازحين من المنطقة إلى ولاية الخرطوم.. هذا بجانب تقديم إعانة لأي مريض يلزم سرير المستشفى ولو لمدة (24) ساعة، وبالمثل دعم مادي لأي مأتم، هذا فضلاً عن دراسة مشروعات خدمية للمياه والصحة والتعليم وإعانة النازحين.. تلك الأعمال الجليلة في حاجة لمدّ يد العون لاستمرارها بعد رحيل الشهيد، علماً بأن الرابطة مسجلة رسمياً ومقرها (أمبدة – بدر الكبرى – الحارة (14) مربع (98)، برقم الحساب 15758- بنك الشمال فرع البرج).. والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
{ وأخيراً.. لله ما أعطي ولله ما أخذ.. ونرجو منه تعالى المغفرة والرحمة للشهيد وإخوانه، ولذويهم الصبر وحسن العزاء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق