تقارير

أي مستقبل ينتظر علاقة السودان وأثيوبيا بعد رحيل "زناوي"؟

من هو خليفة “زناوي” ولماذا انشغل سفير السودان بقضية “هيثم مصطفى” والعالم مشغول برحيل رجل أثيوبيا الأول؟!
أقبلت أثيوبيا على حقبة جديدة في التاريخ برحيل رئيسها “ملس زناوي” وانتقال السلطة سلمياً حتى الآن لنائبه “هيلامريام دسالن” الذي ينتظر موافقة البرلمان الأثيوبي في مقبل الأيام بعد انقشاع أحزان الأثيوبيين على فقيد البلاد، وربان سفينتها الحديثة، وترجل “زناوي” على حكم أثيوبيا بعد (21) عاماً في الحكم انتقلت فيها أثيوبيا من قبضة (عسكر) الأمهرا بقبعات يسارية حمراء بقيادة “منقستو هيلامريام” إلى الجبهة الشعبية لتحرير أقليم التقراي بقيادة “ملس زناوي” الذي وصل للحكم على طريقة “ملنون أبوتي” في يوغندا، ومن بعده “يوري موسفيني” و”جاليوس نابير” في تنزنيا. وأحكم “زناوي” قبضته على دولة تمثل رقماً مهماً في القارة الأفريقية الـ(21) عاماً من الحكم شبه المطلق، وفق نظرية (المحاصصات) الإثنية من خلال الكونفدرالية العرقية من جهة، وتقاسم السلطة المركزية مع الحلفاء السياسيين في الجبهة الثورية لشعوب أثيوبيا وخلال حقبة الـ (21) لعبت أثيوبيا (أدوار) كبيرة في القرن الأفريقي وأضحت عنصراً مهماً جداً في المنطقة بما في ذلك السودان.. ولما كان رحيل “زناوي” في خريف هذا العام، اهتزت له أركان القارة قبل أن تفيض دموع الأثيوبيين بالحزن.. ويتخذ السودانيون من تقاليد (النصارى) في إشعال الشموع؛ تعبيراً عن أحزانهم وتضامنهم مع أخوتهم الأثيوبيين، فإن رحيل “زناوي” له انعكاسات ودلالات على السودان والقرن الأفريقي والتغيرات التي تنتظرها الدولة الأثيوبية ستطال تأثيراتها أيضاً دول المنطقة. و”زناوي” بما يملك من قدرات فذة ورغبة في زعامة المنطقة وإعادة مجد أثيوبيا، كان له الأثر الكبير في أحداث السودان من إعلان مبادئ الإيقاد 1994م، وحتى تسوية النزاع مع الجنوبيين 2005م، إضافة إلى الدور التاريخي الذي لعبته أثيوبيا في احتضان الحركة الشعبية وتغذية شرايينها بالسلاح والدعم الدبلوماسي والعسكري؛ حتى نهضت لحركة سياسية عسكرية؛ حققت مقاصدها النضالية بتقسيم السودان لدولتين، فما هو أثر أثيوبيا على تقسيم السودان؟ وهل لخليفة “زناوي” في الحكم طموحات مثل سلفه الذي كانت آخر جهوده الدبلوماسية هي ثمرة اتفاق أديس أبابا المشهور باتفاق (نافع – عقار)؟ أم أثيوبيا بعد “زناوي” ستغلق صفحات الماضي وتفتح أخرى جديدة؟، وهل تمثل زيارة د. “نافع علي نافع” وقيادة حزب المؤتمر الوطني الأسبوع الماضي لأثيوبيا خطوة موجبة لسد ثغرة الدبلوماسية التي تكشف انشغالها بالنوافل والسنن وترك الفرائض؟!. وأثيوبيا حينما فتحت عينيها على النبأ المفزع برحيل “زناوي”، وأخذت أجهزة مخابرات العالم طريقها للزهرة الجديدة، ونشطت السفارات في تحليل ما سيحدث بعد رحيل “زناوي”، ومن المرشح، وما هي خلفياته، كان السفير السوداني الذي تصفه الصحف الرياضية بالفريق المدهش، قد ترك مقر عمله هناك وانخرط في وساطة بين لاعب الهلال “هيثم مصطفى” ورئيس النادي “الأمين البرير”، وحينما يغيب ربان سفينة السفارة تبحر السفينة بلا قيادة وتتجاذبها الرياح وأمواج البحر!
و”دمريام” والسودان:
صعد “هيلامريام دسالن” إلى منصب رئيس وزراء أثيوبيا لقيادة ما تبقى من حقبة “زناوي” كرئيس وزراء مكلف لمدة تصل لـ(3) سنوات حتى عام 2015م، وهي أطول حقبة في التاريخ لرئيس مكلف، حيث لم يبد قادة جبهة تحرير التقراي وحلفاؤهم في الجبهة الثورية لشعوب أثيوبيا رغبة في إجراء انتخابات مبكرة قبل الموعد المتفق عليه سلفاً بإجراء انتخابات لاختيار رئيس لمجلس الوزراء، وكان “زناوي” قد أبدى رغبته في التنحي عن السلطة وفتح الباب واسعاً لخليفته الجديد، و”زناوي” الذي ينتمي لقومية التقراي ذات الوجود الكثيف في غرب البلاد، والتي تشكل القمية الثالثة بعد الأرومو أكبر القوميات (25%) والأمهرا (20%) قد اختار ثانية “هيلامريام دسالن” لمنصب نائب رئيس الوزراء في الوقت الذي زحزح فيه نائبه السابق “أديسو لقسي” الذي ينتمي إلى الأمهرا القومية التي انحدر من صلبها الإمبراطور “هيلاسلاس” والعقيد “منقستو هيلامريام” وسيطرة ثقافة ولغة الأمهرا على أثيوبيا وبفضل الدور السياسي أضحت ثقافتهم هي الميمنة والمسيطرة على المركز وتماهت الثقافات الأخرى في عباءة الأمهرا، خاصة في حقب ما قبل “زناوي” الذي صعد لقيادة الجبهة بدلاً عن مؤسسها “سبحت نقا” و”سيوم مسفن” وزير الخارجية السابق وسفير أثيوبيا في الصين، والذي عاد بعد رحيل “زناوي”، وتولى الآن قيادة جبهة تحرير التقراي.. ولكن كل التوقعات والترشيحات تبددت في من يقود أثيوبيا بعد رحيل “زناوي”، فجاء “هيلامريام دسالن” الذي ينتمي إلى جنوب أثيوبيا ومن قومية الولايات، والرجل له علاقات واسعة داخل الجبهة الحاكمة ونفوذ في الدولة يقارب “سيوم مسفن”.. ويعتبره المراقبون رجل الولايات المتحدة والغرب في أثيوبيا، حيث تجاوز صعوده لهرم القيادة أسماء تاريخية مثل “يرمان غيري” سفير أثيوبيا السابق في مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل، ووزير الخارجية الحالي، إضافة إلى زوجة “زناوي” التي لا تنتمي إلى قومية التقراي ود. “سيدروس تيام” و”سيرا أبره” القيادي العسكري.. وخليفة “زناوي” الجديد يحظى داخلياً بدعم من بعض أحزاب المعارضة الأثيوبية لدوره السابق في أحداث تقارب بين “زناوي” ومعارضيه، وقد أثمرت الجهود التي قادها العام الماضي في تخفيف حدة المواجهة مع المعارضة الأثيوبية لـ”زناوي” في قمبيلا.. وحاول مرات عديدة التفاهم مع احتجاجات المسلمين في العاصمة أديس أبابا، حيث شجع “زناوي” ما عرف بالأحباش المسلمين العصرانيين، وهم جماعات علمانية تقدم نفسها في ثياب حداثة زائفة، وتنال من المسلمين الممسكين بدينهم منذ هجرة الصحابة لأرض الحبشة، وأدى هذا لانقسام في الصف المسلم لمصلحة الكنيسة التي تحكم قبضتها على الدولة، خاصة طائفة البروتستانت مع وجود معتبر للكاثوليك في الجنوب.
الدور الأثيوبي في السودان:
لبعض السودان اعتقاد بأن أثيوبيا هي العدو الأول للسودان، وتمثل الخطر الحقيقي عليه، وتم ترسيخ هذا الاعتقاد حتى في العقيدة العسكرية السودانية التي تعتبر الخطر الأثيوبي يظل أبلغ أثراً من بقية المخاطر على الأمن القومي السوداني، ولعبت أجهزة المخابرات المصرية دوراً في ترسيخ هذه المفاهيم، وعزز من صدقية ذلك ما ظلت تقوم أثيوبيا من أدوار على صعيد الحرب والسلام. فالحركات العسكرية المتمردة في الجنوب القديم جميعها انطلقت من الأراضي السودانية واتخذت الأراضي الأثيوبية ملاذات آمنة من حركة أنانيا (2) وحتى الحركة الشعبية والجيش الشعبي، وأخيراً قطاع الشمال في الحركة الشعبية، حيث لجأ “مالك عقار” وقادة النيل الأزرق المتمردين لأثيوبيا قبل (الوالد والأم) في جوبا.. وبذات القدر لعب الإمبراطور “هيلا سلاس” دوراً في اتفاق أديس أبابا 1972م، الذي حقق السلام بين الحكومة السودانية ومتمردي حركة الأنانيا (1) وغداة تمرد الأنانيا (2) عام 1976م، أتجه “صوميل قاي توت” و”عبد الله الأحمر” إلى مناطق قمبيلا حتى تمردت الكتيبة (105) في بور، ونصب الأثيوبيون “جون قرنق” زعيماً لحركة التمرد الجديدة بعد أن حارب الجيش الأثيوبي لمصلحته، وأصبحت الأراضي الأثيوبية مباحة لقادة التمرد، وبعد سقوط نظام “منقستو هيلامريام” بعامل دعم سوداني لجبهة تحرير التقراي بقيادة “زناوي” سعى الأخير لرد الجميل للحكومة السودانية، ولما لأثيوبيا من ثقل في المنطقة، ويعتبرها الغرب دولة مفتاحية لشرق أفريقيا، مثل نيجيريا في الغرب الأفريقي وجنوب أفريقيا ويوغندا في منطقة البحيرات.. لعب الأثيوبيون الدور الرئيس في مبادرة الإيقاد التي كتب نصوصها السيد “سيوم مسفن” وزير خارجية أثيوبيا (حينذاك)، ولولا النزاع الأثيوبي الاريتري وحرص دول الإيقاد على وحدة المجموعة لما احتضنت كينيا مباحثات السلام السودانية في مشاكوس ونيفاشا، ولكن النزاع الأثيوبي الاريتري جعل الدول الغربية تقدم كينيا وسيطاً يستضيف المفاوضات، وخلال الفترة الانتقالية انفتح الأثيوبيون على جنوب السودان وشماله معاً، خاصة في حقبة الازدهار الاقتصادي النسبي، وتدفق البترول في شرايين السودان لتزداد هجرة الأثيوبيين، خاصة العمالة (الرخيصة)، للمدن، وأثيوبيا التي يقترب سكانها من المائة مليون نسمة تواجه ظروف داخلية تجعلها واحدة من منابع اللاجئين والوافدين لدور الجوار، وهناك من يعتقد أن العامل الإقليمي في المنطقة كان له دور سالب في تقسيم السودان، حيث حرض الأثيوبيون واليوغنديون والكينيون الجنوبيين للتصويت لصالح الانفصال حتى تنال هذه الدول نصيبها من البترول الذي ذهب (350) ألف برميل منه جنوباً.. ولكن هذا الاعتقاد هناك من يشكك في صحته انطلاقاً من منظور إستراتيجي في المنطقة؛ باعتبار تشجيع الانفصال للجنوب قد ينقل العدوى لدول من أثيوبيا ويوغندا وكينيا، وكلاهما لهما مشكلات مع حركات تمرد ومعارضات تناهض حكومات تلك الدولظت إلا أن أثيوبيا استطاعت بعد سقوط “منقستو” ووصول “زناوي” للسلطة إقرار الفيدرالية العرقية بمنح الدستور لكل إقليم حق حكم نفسه بالطريقة التي تروق له، وأضاء الدستور الطريق لأي إقليم يريد الانفصال عن أثيوبيا بعد أن صوت الاريتريون للانفصال، ومنح الأقاليم حق تقرير مصيرها، يعتبره مراقبون للشأن الأثيوبي سياسة أغلقت أبواب المطامح والرغبات في الانفصال، وعززت من وحدة الدولة الأثيوبية.
وبين أثيوبيا والسودان تناقضات كبيرة، فالنظام الإسلامي في السودان يتخوف منه الأثيوبيون، وكذلك العلاقات المتطورة مع أسمرا تزعج أديس أبابا رغم أن الخرطوم فتحت ميناء بورتسودان للواردات الأثيوبية من أوروبا مع بعض القيودات على واردات الخمور؛ الشيء الذي جعل الأثيوبيين ودولة جنوب السودان يبحثون عن ميناء مشترك، ويجدون ضالتهم في دولة كينيا التي بدأت تشيد ميناءً لخدمة الدولتين؛ تسهم فيه أديس أبابا وجوبا بمليارات الجنيهات، ويهدر السودان فرصة ذهبية لا بسبب القيود المفروضة على بعض الواردات من البضائع، بل بسبب التوترات السياسية مع دولة الجنوب، وتحظى أثيوبيا بدعم غربي وصل لـ(6) مليارات دولار العام الماضي؛ مما جعل نسبة النمو ترتفع لـ (11).
والآن تلعب أثيوبيا دوراً مهماً في السودان من خلال وجود قوات (اليوسفا) التي تراقب الموقف بمنطقة أبيي وتسهم أثيوبيا أيضاً في القوات الدولية في دارفور ومفاوضات السلام الجارية بين السودان وجنوبه تحتضنها أثيوبيا إضافة لدورها السابق في التقارب بين الحكومة وقطاع الشمال.
جوبا وأديس:
إذا كانت الخرطوم قد ذرفت الدموع لرحيل “زناوي”، وحمل بعض رموز الدولة وقيادات المؤتمر الوطني الشموع على الأكف ،وتبدى حزن الآلاف من السودانيين على رحيل “زناوي” مثيراً للدهشة، فإن السودانيين جنوباً لم يتبق لهم سوى العويل ونثر التراب على الرؤوس الحليقة، وقد أعلنت دولة الجنوب الحداد لمدة ثلاثة أيام لرحيل “زناوي” وحق للجنوبيين البكاء والنحيب وأكثرهم أصهار للأثيوبيين، ويعلم القاصي والداني وراعي الضان في كالوقي إن “دينق الور” و”سلفاكير” و”كول مينانق” متزوجون من أثيوبيات وأنجبوا الأولاد والبنات، ويتولى تدريب الجيش الشعبي في الجنوب جنرال كبير في الجيش الأثيوبي منذ سنوات.. وكل مقاهي وفنادق جوبا وأسواقها تغطيها العمالة الأثيوبية، وبين الدولتين مصالح كبيرة.. فالجنوب أرض استثمار للمال الأثيوبي، وتحتاج إلى الطيران ووسائط النقل الأثيوبي وفائض السلاح الذي تخلى عنه الجيش الأثيوبي المقدر بثاني أكبر جيش في القارة الأفريقية بعد مصر!
تقاطعات صامتة:
بين السودان وأثيوبيا تقاطعات وقضايا معلقة لم تحسم منذ سنوات طويلة من النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة الزراعية بولاية القضارف. وقد أهدر السودان فرصة تسوية هذا الملف خلال حقبة “زناوي”، وبات الآن ينتظر ملامح سياسية و”دمريام دسيلن” الجديدة وقضايا الحدود في أثيوبيا تثير مشاعر قومية الأمهرا الذين يعتبرون التفريط في أريتريا من أخطاء “زناوي” وجبهة تحرير التقراي.. وما بين المصالح المصرية والسودانية والأثيوبية خطوط تقاطع كبيرة. فالأثيوبيون لهم مشروعات لاستغلال حصتهم من مياه النيل، ومن المفارقات أن السودان بدل أن يساهم في بناء سد الألفية، ويقف مشجعاً له اختار الوقوف (مجاناً) مع الرؤية المصرية التي تقوم على احتكار مياه النيل وعرقلة السدود في أثيوبيا والسودان، وقد تذوق السودانيون المُرّ من مصر وهي تغلق أبواب التمويل؛ للحيلولة دون قيام سد مروي. وبين السودانيين والأثيوبيين وجدان مشترك وثقافة مشتركة، إلا أن المعادلات بين أسمرا وأديس أبابا تلعب دورها في نمور وضمور العلاقات السودانية الأثيوبية!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق