حوارات

القيادي بالمؤتمر الوطني الدكتور "قطبي المهدي" لـ (المجهر) (2-2):

{ بعد التحديات التي واجهها الإسلاميون على مستوى الحكم  والقبول الذي وجده مفهوم الدولة المدنية في دول الربيع العربي.. هل نتوقع أن تصبح الدولة مدنية؟
– هذا سؤال كبير.. موضوع الدولة المدنية فيه آراء كثيرة، لكن التحدي الذي أمامنا الآن أنك تريد عمل دولة إسلامية، ونحن في تقديرنا أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية وفي ذات الوقت تريدها أن تكون دولة كل الناس، وهناك قناعات مشتركة بطبيعة الدولة ويصبح هنا التعامل مع الآخر يشكل تحدياً كبيراً جداً لأنك تريد التعامل مع أناس قد لا يشاركونك في قناعاتك، لكن الإطار المدني للدولة يسمح بهذا.
{ تتحدث عن تجربة أم أنها توقعات؟
– في دولة المدينة كما هو معروف الرسول “صلى الله عليه وسلم”  حدد بوضوح طبيعة الحقوق والواجبات في هذه الدولة، وفي النهاية  تُرسم صورة مدنية بمشاركة كل المجتمع، وهذا لم يقلل من طبيعة الدولة الإسلامية، وبالتالي التحدي يكمن في إقناعك للناس بأن دولتك تقوم على المواطنة ومشاركة الجميع، لكن في ذات الوقت طبيعة الدولة وعلاقاتها قائمة على الإسلام.
{ كيف يمكن استيعاب هذه المسألة في حالة السودان؟
– استيعاب هذه المسألة أحياناً فيه إشكالية بالنسبة للآخرين، ولكوادرك إذا لم تكن مدربة جيداً وفاهمة الإسلام بشكل جيد.
{ وربما هناك إشكالية مرتبطة بالدولة نفسها؟
 – الدولة الآن مستوعبة كل الناس، وطرح الحكومة نفسه في هذا الاتجاه، فهى تريد حكومة عريضة تشارك فيها كل القواعد لبناء البلد.
{ لكن هناك اختلاف حول هذا الطرح ووجوده؟
– أبداً، هو موجود، وآخر تعبير له تمثل في موضوع الدستور عندما دعا الرئيس كل القوى للتدوال حول الدستور واختيار هيئة قومية لوضعه يناط بها اختيار اللجنة الفنية لوضع المسودة، وهذا توجه منفتح على الآخرين يدل على أن هذه الدولة مدنية.
{ لكن ردة الفعل من الآخرين لا تؤكد اقتناع القوى الأخرى؟
– صحيح ردود الفعل كانت غير ذلك، وهذه في تقديري الأزمة التى يعاني منها الآخرون، وربما بعض منا الذين لم يستوعبوا طبيعة الدولة الإسلامية والمدنية في آن واحد.
{ إذن أنتم متمسكون بالدولة الإسلامية؟
– نعم، متمسكون بها نظرياً.. الحزب يدعو إلى مجتمع إسلامي ودولة إسلامية، إلى أي مدى ننجح في هذا ذلك هو التحدي.
{ هل نجحتم خلال (23) عاماً في تحقيق ذلك؟
– هل نجحنا بعد (23) عاماً أم لا هذا يعيدك إلى حديثي الأول عن هل الحزب محتاج لروح جديدة لتحقيق رؤاه وأفكاره في المرحلة القادمة أم لا.
{ دكتور.. ما زال الصراع محتدماً بين الحركة الإسلامية والحزب..  فماذا تعني الحركة الإسلامية بالنسبة للمؤتمر الوطني ؟
– الحركة الإسلامية عندما وصلت إلى السلطة أرادت أن تتجه نحو المجتمع بكل مكوناته، لذلك سعت مع آخرين إلى تأسيس حزب المؤتمر الوطني، وإذا رجعنا لتاريخ التأسيس نجد أنه لم يؤسس كحزب، فكنا نتحدث عن وعاء جامع ونظام سياسي يستوعب المجتمع والدولة، وبالتالي كان الحزب مفتوحاً لكل السودانيين باختلاف انتمائهم العرقي والديني، وفعلاً ضم أشخاصاً من مختلف قطاعات الشعب السوداني وإثنياته المختلفة، وظلت هذه طبيعة المؤتمر الوطني حتى بعدما تحول إلى حزب.
{ وأين كان موقع الحركة؟
 – الحركة الإسلامية عندما جاءت إلى مرحلة إشراك الآخر في  إدارة الدولة المدنية انفتحت على الآخرين واستوعبتهم، لكن احتفظت بخصوصيتها كحركة إسلامية مهمتها الأساسية هي الدعوة والتربية، وظلت تؤدي هذا الدور. وكما ذكرت في اللقاء الأخير، الحركة كانت سياسية دعوية تسعى إلى الحكم، وبعد مجيء الإنقاذ المؤتمر الوطني والدولة أخذا معظم هذا الدور وبقيت هي في دورها الأساسي، وهو الدعوة.
{ هناك مخاوف عند بعضكم بشأن علاقة الحزب بالدولة ربما تقود في مؤتمر الحركة القادم إلى صراعات.. فما تعليقك؟
– فيما يتعلق بالمؤتمر الوطني والحركة، أعتقد أن هذه الإشكالية  ظلت قائمة، فنحن نتذكر عند تكوين جبهة الميثاق الإسلامي رغم أنها لم تكن حزباً حاكماً، لكن كانت الواجهة السياسية لحركة الإخوان المسلمين والأمين العام للجبهة كان الدكتور “حسن الترابي”، وبهذه الصفة فهو المسؤول السياسي في المكتب التنفيذي للحركة الإسلامية، ومع ذلك عندما انفتحت جبهة الميثاق واستوعبت جماهير كثيرة جداً وأصبحت المعبّر عن حركة الإسلام وفي البرلمان وقادت المعارضة، أصبح الأمين العام في الحركة الإسلامية متنازعاً في هذا الدور.
 { ما سبب النزاع حينها؟
– كان هناك دور يقوم به الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامي، وهو الشخص المعرف للرأي العام بأنه زعيم الإسلاميين، وهناك أمين عام الحركة الإسلامية يعدّ فرعاً أو واجهة، فصارت هناك ثنائية في القيادة وصراع وانقسام، وحُسمت المسألة في مؤتمر أبريل 1969م قبيل انقلاب “نميري”، وقُرر توحد الحركة على أن يكون أمين عام جبهة الميثاق الإسلامي هو نفسه أمين عام الإخوان المسلمين واُختير “الترابي” لهذا الدور، فهذه الثنائية تظل قائمة ما دامت هناك ثنائية في العمل، لكن في الفترة الماضية واضح جداً  أن الناس تغلبوا عليها بنفس الصورة فأصبحت قيادة الدولة  والحركة والحزب (حاجة واحدة).
{ ماذا في دستور الحركة الإسلامية الجديد؟
– الآن في الدستور الجديد للحركة الإسلامية هناك قيادة غامضة جداً، أشير لها بالقيادة العليا، هذه غير الأمين العام.
{ ما القصد منها؟
– القيادة العليا تعني أن يأتي ناس بحكم مواقعهم، من الدولة والحزب والحركة، ويبقى منصب الأمين العام ليس كل شيء.
{كيف نفسر ذلك؟
– (ممكن) تكون الأمين العام وتتم المدة حسب الدستور، وبعدها لا يحق لك أن تأتي أميناً عاماً. في كل الأحوال في حاجة اسمها القيادة العليا.
{ هذا ما قصده “غازي صلاح الدين” حينما قال لإحدى الصحف إن منصب الأمين العام سيكون بلا صلاحيات؟
– أعتقد أنه يشير إلى النقطة التي ذكرتها، ربما يشير إلى موضوع القيادة العليا المستحدثة في الدستور الجديد.
{ الحركات الإصلاحية داخل المؤتمر الوطني قنبلة موقوتة اليس كذلك؟
– بصفة عامة، كل الحركات الإصلاحية داخل المؤتمر الوطني تعبّر عن القلق الذي ذكرته، ويلخص في أن الحزب أو الحركة يجب أن يحدث فيها نوع من التجديد والتغيير، وهذا الإحساس  موجود في كل قطاعات الحركة، بين المجاهدين موجود، وبين أصحاب مذكرة الألف، وهم عدد من شباب الحركة، وحتى في قطاعات الشباب والطلاب موجود، وفي القيادة نفسها موجود.
{ طالما صوت التغيير عالٍ داخل الحزب فأين تكمن المشكلة؟
– ما يقلقني أن كل إنسان يتحدث وحده، لا توجد أجندة مطروحة واضحة يتم التحاور حولها، وهذا التناول غير صحي، لأن هناك من يتحدثون باعتبارهم شباباً، وهناك من يتحدثون باعتبارهم مجاهدين، وبالتالي يعتقدون أن لديهم رؤية ربما تكون أفضل من الآخرين، وهناك أناس في القيادة لديهم رؤيتهم للتغيير.
{ من هنا وصفت الحوار بغير الصحي؟
– نعم، أعتقد أن أجندة هذا الموضوع كان ينبغي أن تُحدّد وتُطرح في منابر تضم كل هؤلاء حتى يكون التفكير واحداً ويصلوا إلى نتائج واحدة.
{ الخطر ربما يكمن في المجاهدين الذين يناصرون فكرة الحزب ويُعدّون خط دفاعه؟
– صحيح، وهم لا يفكرون وحدهم، وقبل ذلك كانت لدينا تجارب في الحركات الإسلامية التي سبقتنا. إذا أخذنا مصر حصل في فترة من الفترات صراع سوي جداً بين النظام الخاص (كان نظاماً شبه عسكري) وقيادة الجماعة نفسها أو التنظيم العام، لأنه أصبح هناك نظام خاص وتقسيم للعضوية، العضو المجاهد والعضو العامل والموافق، وكل مجموعة كانت تعتقد أنها تمثل ضمير وروح الحركة الأساسية، فيمكن أن يقول بعض الناس إن المجاهدين  شباب مخلص ومضحٍ، لكن لا يفهمون في السياسة مثلاً.. وهكذا.. كل قطاع إذا فكر وحده سيصل إلى نتائج مختلفة، فالأفضل الجلوس في منابر لتحديد أجندة التغيير.
{ قيل حسب ما نُشر في الصحف إن الحوار بدأ مع المجاهدين.. فما طبيعته ؟
– ليس لديّ علم ببداية الحوار مع المجاهدين، وللأسف الشديد في البداية كان هناك توجس من مذكرة الألف وقد سمعتم تصريحاتي حينها، فأنا كنت لا أرى مبرراً للتوجس، لأننا قبلها ناقشنا هذا الأمر في مؤتمر القطاع السياسي، وهؤلاء إذا استوعبوا وكانوا مشاركين بصورة فاعلة في المؤتمر والمؤتمرات التنشيطية للحزب (ما كان) عملوا مذكرة الألف.
{ إذن الحركة الإصلاحية كانت مطلوبة؟
– أنا كنت سعيداً بهذه الحركة، لأن هذا هو القلق الذي ينبغي أن يكون موجوداً باستمرار في الحركة، الرغبة في التغيير والتجديد والتصحيح، أنت يجب أن لا تكبت هذا.
{ مشاركة بعض مجاهدي المؤتمر الشعبي في حوار المجاهدين.. هل يمكن أن يقود إلى الوحدة في مؤتمر الحركة الإسلامية؟ 
– هذا المؤتمر خاص بالحركة الإسلامية فلا يمكن أن يحدث هذا لأسباب تنظيمية واضحة، لكن كان جيداً أن الحوار لم يقتصر على  قوالب تنظيمية محددة وانفتح على إسلاميين آخرين، وكنت أتمنى مشاركة أشخاص من تنظيمات إسلامية أخرى.
{ مثل من؟
– الإخوان المسلمون، وحتى السلفيين، وأنا أشجع الاستمرار في هذا الحوار المشترك، لكن لا أتوقع مشاركتهم، ربما المنتمون منهم للمؤتمر قد يكون صوتهم عالياً في مؤتمر الحركة القادم ومسموعاً.
{ قلت هناك منهج متبع في التفاوض لا تتفق معه.. فما هي نقاط الاختلاف؟
– هناك طريقة محددة في التفكير بشأن التفاوض ظلت موجودة منذ نيفاشا ومستمرة حتى الآن، وتقوم على التنازل باستمرار من موقفك إلى موقف جديد، وهذه مسألة ضارة. فنحن لدينا اتفاقية نيفاشا (يبقى خلاص) وأنا كنت معترضاً عليها لكن أصبحت اتفاقية موجودة بين الأطراف وخرقها المتمردون، لأننا بالنسبة للمناطق الثلاث اتفقنا سلفاً وهناك بروتكولات مكتوبة وموقعة، وكنا نشكو من أننا أعطيناهم أكثر من استحقاقهم.
{ وأنت ضد موضوع المناطق الثلاث؟
– حسب رأيي أن هذه المناطق ما كان ينبغي مناقشتها في نيفاشا، لأن الإيقاد كان تفويضها لمشكلة الجنوب (ومافي) سبب يجعلنا ندخل مناطق شمالية تجعل “جون قرنق” والمتمردين يتدخلون في  هذه القضايا، وهذا جزء من المنهج الذي أختلف فيه معهم، هم تنازلوا تحت ضغط “جون قرنق” وقبلوا المساومة فيها، وبعد ما ساوموا ووصلوا لاتفاق، في رأيي كان غير منصف، كان يجب الالتزام.. التنازل مضر جداً.

مقالات ذات صلة

إغلاق