الديوان

الشيوعي الذي وحد أوروبا " صالح محمود": دخلت المدرسة من سنة رابعة!!

ما أن تجلس إليه إلاّ ويسحرك بهدوئه ورزانته، جاء من أقصى دارفور يسعى، فاحتضنته الجميلة والمستحيلة (جامعة الخرطوم)، التي درس فيها القانون وتخرج ليشارك الآخرين معاناتهم وأفراحهم، صنف عالمياً ضمن (50) شخصية مؤثرة في قرارات الحكومات والرأي العام، نال جائزة (سخاروف) التي تأتي في المرتبة الثانية بعد (نوبل) في العام 2007م، على خطى الزعيم ” نيلسون مانديلا” أول من فاز بها في ثمانينيات القرن المنصرم. إنه الأستاذ ” صالح محمود عثمان” عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني.
(المجهر) جلست إليه، عبر نافذتها الجديدة (حكايات الشمس)، ونقبت معه مسيرته الطويلة في العمل العام والإنساني، فكانت هذه الدردشة..
سيرة مبكرة
ولد الأستاذ ” صالح محمود” 1957م، في منطقة (تورا) بجبل مرة، التي تعتبر العاصمة التاريخية لسلطنة دارفور، ودرس مراحله الابتدائية بالـدابة وزالنجي، والثانوية بالفاشر، ثم انتقل إلى كلية القانون بجامعة الخرطوم التي تخرج فيها 1980م.
وفي ذلك يقول: أنا من بيت ديني، لذا لم أضطر إلى دخول الخلوة لأنني حفظت القرآن في المنزل، ونظراً لتفوقي وحفظي للوح لم أدرس من سنة أولى، وانتقلت مباشرة إلى الصف الرابع، ولأنني انتمي أثنياً إلى (الفور)، فقد تعلمت اللغة العربية في المدرسة، ويمضي “صالح” موغلاً في تفاصيل سيرته المبكرة، فيقول: أنا من أسرة ممتدة، فوالدي الحاج ” محمود”: هو إمام مسجد (قوره) الأثري الذي بناه السلطان ” عبد الرحمن الرشيد” وهو مؤسس مدينة (الفاشر) التي سميت به (فاشر السلطان).
مدافن السلاطين
واستطرد: المعروف عن منطقة (جبل مرة) أنها من أجمل مناطق السودان، وتغنى لها كثير من الفنانين مثل “الكابلي وأبو عركي البخيت” ويقال إن الراحل” وردي” كان يتمنى أن يغنى لجبل مرة،  والجبل بهذه المناسبة، ليس كتلة صماء حجرية كما يعتقد كثيرون، وإنما منطقة شائعة تمتد من مشارف شمالاً إلى كتم، ومن الفاشر إلى زالنجى وما حولهما، ومناخها يتراوح بين السافنا وشبة الاستوائي ومناخ البحر الأبيض المتوسط، هذا إلى جانب أنها تعتبر المنطقة الأثرية والتاريخية في ولايات دارفور قبل قيام مدينة الفاشر، لذلك تتبع الآن إلى مصلحة الآثار القومية، وفيها مدافن سلاطين الفور عدا السلطان “علي دينار والسلطان إبراهيم قرض”، لكنني الآن أشعر بالحزن لانقطاعي عنها فترة طويلة بسبب الظروف الأمنية، لكن ما يزال منزلي بها، وقد تحول مؤخراً إلى مدرسة للقرية.
لولا الأمير لاختلف الأمر
يواصل الأستاذ ” صالح”: بعد هزيمة الانجليز اتخذت الأسر الكبيرة والدينية موقفاً من جميع المؤسسات التي أسسها الانجليز، ومن بينها التعليمية، ولكن مع مرور الزمن تبين لها أهمية التعليم، خاصة بعد ثورة أكتوبر، ويرجع الفضل في ذلك إلى الأمير ” جعفر علي دينار”  الذي أقنع والدي بإرسالي إلى المدرسة.
انتخبوا الأخوة الأعداء: شيوعي و(كوز) في بيت واحد
 وحول الموافق الطريفة في أسرتهم، قال “صالح”: خضت انتخابات 1986م ضد شقيقي الأستاذ ” أمين محمود” في نفس الدائرة الجغرافية بجبل مرة، وكان مرشح الجبهة الإسلامية حينها، الآن (مؤتمر شعبي)، بينما كنت أنا مرشح عن الحزب الشيوعي، وأضاف: الطريف في الأمر أن انطلاقة حملتينا كانت من منزل والدي، عبر اتجاهين متعاكسين.
شيوعي وزعيم قبلي
أما عن اختباره لمهنة (المحاماة)، اعتبر الأستاذ ” صالح” أن المحاماة مهنة لها تبعاتها ومسؤولياتها الأخلاقية، وينبغي أن تتحول أتعابها  إلى ووفاء والتزام وواجب أخلاقي، وأنا أشعر أن لدى مسؤولية تاريخية بالنظر إلى مكانة أسرتي، لذلك فكنت مهيئاً لأكون في مقدمة المتطوعين لحل مشاكل المجتمع، ومنذ أن كنت طالباً شغلت وظيفة رئيس للداخلية في مدرستي زالنجى الوسطى والفاشر الثانوية،  ورئيس لعدد من الجمعيات الأدبية، لكن للأسف ما يزال عدد المحامين في دارفور قليل نسبياً بالمقارنة مع غيرهم، وكنت ولا أزال استقبل قضايا من أفراد لا يقدرون على دفع أتعاب المحاماة، وبالتدريج أصبحت مساعدة الآخرين تمثل بالنسبة إلىّ واجباً أخلاقياً، ومع تفجر الأزمة في دارفور، تزايدت حاجة الناس لخدمات المحامين، وأصبح مكتبي مفتوحاً للجميع لمد يد العون، ولتحمل مسؤولية مهنتي ومكانتي كقائد قبلي فأنا عضو في مجلس شورى قبيلة الفور.
الشيوعي ليس محتكراً من الشماليين
من جهة أخرى، وبعيداً عن شورى القبيلة، اعتبر عضو مركزية الشيوعي ” صالح محمود” أن حزبه أضاف له الكثير، وساعده على تنمية  اتجاهاته والاهتمام بقضايا المجتمع وقضايا البلد والقضايا الإنسانية كافة، وبالتالي ليس صحيحاً ما يشاع أن مركزية الحزب محتكرة من قبل الشماليين، ومن ينسى “جوزيف قرنق وموديستو”  وآخرين.
وفي ذلك يقول الأستاذ ” صالح”: صحيح أنا أول شخص من دارفور يتم ترشيحه في اللجنة المركزية للحزب، لكن ذلك لا يعني وجود إهمال أو تقصير أو احتكار، بل الظروف التاريخية والموضوعية هي التي لعبت دوراً في ذلك، حيث ظلت (دارفور) إحدى أهم مناطق نفوذ الأحزاب التقليدية.
على خطى مانديلا
إلى ذلك فاز الأستاذ ” صالح محمود” العام 2007م، بجائزة (سخاروف) لحرية الفكر. وعن الجائزة والجوائز الأخرى التي فاز بها، حدثنا قائلاً: (سخاروف) جائزة أسسها الاتحاد الأوروبي في 1988م، لتكريم الأشخاص أو المؤسسات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الفكر، وقد بلغت قيمتها المالية منذ (2010م) مبلغ (50) ألف يورو، ومنحت أول مرة للمناضل الأفريقي (نيلسون مانديلا)، أما أنا فقد فزت بها في العام 2007م، لكن أول تكريم لي كان من منظمة العفو الدولية (أمنستى) في العام 2004م، بعدها نلت جائزة “هيومان رايتس ووتش” كأفضل مدافع عن حقوق الإنسان في العالم 2005م، وجائزة المحاميين الأمريكيين كأفضل مدافع عن حقوق الإنسان 2006م، وتم اختياري ضمن أكثر (50) شخصية في العالم تأثيراً على قرارات الحكومات والرأي العام في العام 2007م، إضافة إلى شهادتين تقديريتين من الكونغرس الأمريكي للأشخاص الذين يقدمون خدمات متميزة لمجتمعاتهم، والطريف في جائزة (سخاروف) أنني حين حصلت عليها بتأييد كامل من البرلمان الأوروبي بـ(الإجماع)، علق رئيس البرلمان الأوروبي آنذاك قائلاً: (صالح محمود وحد أوروبا).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق