خارج النص

انشغالات بلدين

تعددت لقاءات وزيري خارجية السودان ومصر، خلال العامين الأخيرين والنتيجة صفرية من جهة تجاوز حالة الاحتقان والتجافي والتباعد.. وربما أسهمت تلك اللقاءات في الإبقاء على الحالة (الراهنة) والحيلولة دون الانزلاق نحو الهاوية السحيقة من التردي كما حدث في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.. ولقاءات بروفيسور “إبراهيم غندور” و”سامح شكري” تنتهي دوماً بعبارات دبلوماسية (محسنة) عن أزلية العلاقة بين البلدين.. والسعي الجاد لتطويرها ولا يعلم الإعلام الذي يساهم كثيراً في تنقية المناخ وتعكير مياه النيل، شيئاً عن القضايا الخلافية التي تبحث في الغرف الصماء.. وخلال القمة الأفريقية الأخيرة.. أقبل الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي” على خطوة جريئة بزيارة الرئيس “البشير” بمقر إقامته ببيت السودان في أديس أبابا.. وسرى اعتقاد بأن تلك الخطوة هي الأخيرة قبل الوصول لتفاهمات شاملة حول القضايا الخلافية.. إلا أن ذلك لم يحدث بكل أسف.
اليوم يجرب قادة البلدين دبلوماسية أخرى غير الدبلوماسية الناعمة التي تخفى أوراقها في حقائب اليد التي يحملها مساعدا الوزيرين في الغالب.. ويدخل ساحة تحسين العلاقات المتوترة.. صناع القرار في البلدين.. وأجهزة الفعل الصامتة التي تشكل عصب ولحم النظامين المتشابهين في الخرطوم والقاهرة ،من حيث التكوين، والمختلفين من حيث المرجعية الفكرية والثقافية والعقائدية..
ولقاء المتشابهات ربما يرسي قاعدة انطلاقة جيدة إذا فتح مديرا المخابرات في البلدين ،الفريق “صلاح قوش” واللواء “عباس مصطفى كامل” (صناديق باندورا) وتجاوزا كلمات المطايبة إلى أسباب الاختلاف والتصدع في جدار علاقة البلدين.. وعودة “صلاح قوش” لجهاز المخابرات السوداني بدأت ثمارها مبكراً بعقد لقاءات مباشرة مع مديري أجهزة أمن دول الجوار.. وهي الحلقة الأهم في أولويات معالجة المشكلات الخارجية.. ومصر التي تستعد لخوض انتخابات محسومة لصالح “السيسي” قبل أن تبدأ لديها مشاغلها.. ومخاوفها من السودان وتبحث عن تطمينات قد تجدها عند الأجهزة الفاعلة والصامتة، ولكنها حاكمة مثل مصر ونعني بذلك وزارة الدفاع وجهاز الأمن والداخلية ومخاوف مصر من الأخوان والفكر الأخواني أينما كان.. ثم مياه النيل وسعي القاهرة الحثيث لإعادة السودان لحضنها مضافاً لسياساتها وحريصاً على مصالحها قبل مصالح الخرطوم.. تلك هي التقاطعات والانشغالات المصرية، أما الانشغالات السودانية فهي أيضاً قريبة من تلك، فالنظام المصري العلماني المناوئ لكل ما هو إسلامي.. يحتضن في حجره العلمانيين السودانيين المعارضين.. وللخرطوم مخاوف وهواجس بأن القاهرة لا تزال تطعنها في ظهرها.. وهي تواجه حركات مسلحة.. ودول جوار متربصة بأمنها.
ولا تطيق الخرطوم رؤية مصر تتعمد التحرش بها في مدينة حلايب السودانية وتتخذها جزءاً من محافظات مصر.. هذه القضايا إذا ما نجح مديرا المخابرات في البلدين في تجاوزها.. والتفاهم حولها.. بالصراحة وإقدام كل طرف على الفعل بعد القول.. فإن فجراً جديداً لعلاقات البلدين يطل في مقبل الأيام.. وأساس العلاقات ينهض على قاعدة أجهزة المخابرات والأمن في البلدين.. فهل تتجاوز لقاءات الخرطوم بين “قوش” و”عباس مصطفى” أسباب القطيعة؟ وطمأنة كل طرف للآخر ،بأن الخطر على الخرطوم والقاهرة لن يأتي إلا من البعيد جداً؟

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق