خارج النص

التعبير بالصمت

فشلت كل محاولات جرجرة الفريق “بكري حسن صالح” للإفصاح عن مافي أجندته الذاتية كقيادي في الدولة والحزب والحركة الإسلامية وكرئيس لمجلس الوزراء بالدستور، واختار الفريق أول “بكري” الصمت حينما (جاطت) الساحة السياسية، والكل يتحدث عن التغيير والتعديل في الحكومة التي يرأسها الفريق “بكري” منذ تكليفه بالموقع الرفيع بعد الحوار الوطني، وانتاشت الرجل السهام والغمز واللمز، وطمع الكثيرون حتى في المقعد الذي يجلس عليه، وحاولت الصحف استنطاقه، وإطلاق لسانه ولكنه تمنع عن الكلام، وبقي في حاله صامتاً ولكنه يعمل ولا يكل ولا يمل ولا يتحدث إلا عند الضرورة .وفي حدود القضية التي طرحت. لا يهرج كما يهرج أغلب السياسيين .ولا يهرف بما لا يعرف.
حاول البعض الوقيعة بين الجنرال “بكري” والرئيس “البشير” لكن خاب أملهم وطاش سهمهم وبارت تجارتهم.
لم يتكلم الجنرال “بكري” حينما تحدث كل الناس من قيادات الدولة والناشطين في الحديث المخول لهم الحديث وغير الموصوف موقعهم في الحزب، سوى مُسمى قيادي، وهو وصف تضليلي. كل هؤلاء يتحدثون عن ضعف الحكومة التي يقودها “بكري” وهو تقييم يختلف حوله الناس ويتفقون، والجميع يجزم بأن تغييراً وشيكاً سيطال الحكومة، وحدد البعض مواضع التغيير الوشيك، إلا “بكري”، فقد لزم الصمت، ولم يقل كلمته حتى اللحظة.
الصمت الذي يتدثر به الجنرال شديد التواضع، طيب المعشر، أبيض القلب أصاب الكثيرين بدوار السياسة، وهو مثل دوار البحر، فشل الناس في معرفة موقف الفريق “بكري” من أي قضية تم طرحها إلا قضية واحدة، وهي إعادة ترشيح “البشير” لدورة رئاسية قادمة، وذلك لأن “بكري” يجسد الوفاء في أبهى معانيه والأدب واحترام القائد وتقدير الصداقة، وحتى منصب رئيس الوزراء أقبل عليه الفريق “بكري” مكرهاً له، وبعد تمنع ورفض، وذلك بسبب تقديره الشخصي للرئيس، وحرصه الشديد على علاقات وصداقة امتدت لأكثر من أربعين عاماً في الخدمة العامة، والفريق “بكري” حالة نادرة في وفاء قائد لقائده، وحوار لشيخه وتلميذ لأستاذه، وإذا كانت السياسة قد فرقت بين “الصادق المهدي” و”عبد الرسول النور”، في حزب الأمة وجعلت تلاميذ “الترابي” الذين تعهدهم بالرعاية والتعليم وحملهم على أكتافه، قد انقلبوا عليه ووضعوه في غياهب السجون ونالوا منه حياً وميتاً، وفرقت السياسة ما بين “كمال الجزولي” و”محمد إبراهيم نقد”، كما فرقت بين “الطيب مصطفى” و”حمودة شطة”، وتقاطعات التنفيذ والسُلطة، ومن يتخذ القرار في النظام الرئاسي، قد أفسدت ما بين “جعفر نميري” و”الرشيد الطاهر بكر”، ولكن الاستثناء الوحيد في التاريخ حالة التوافق والانسجام التي تظلل علاقة “البشير” بالفريق “بكري”، ذهب كل أعضاء مجلس قيادة الثورة إلى المعاش وكراسي المراقبة، ولكن “بكري” ظل لوحده من أعضاء المجلس وفياً “للبشير”، ودوداً لم تحدثه نفسه بوراثة الحُكم أو تبديل قناعاته، وذلك ما أكسبه الاحترام والتقدير.
أما معالجة المواقف التي تتطلب الإفصاح بالصمت، فتلك مدرسة في السياسة، رائدها ومالكها في سجل الملكية هو الجنرال “بكري” لوحده.
الصمت بات تعبيراً بليغاً ولغة جديدة في الممارسة، أثبتت أن الصمت في كثير الأحيان أبلغ من الإفصاح والكلام والفعل أجدى وانفع من الجعجعة، وكثرة الكلام والكلام الذي يهدم ولا يبني.
لقد برع الجنرال في صمته حتى حار الجميع ماذا يريد الرجل ولماذا تنتاشه السهام؟ ويتم قذف حكومته من الداخل والخارج؟ والرجل صامد لا يعطي خصومه ومنافسيه وأصدقائه وعارفي فضله (علفاً) به يتسامرون، ومن أخطر الأسلحة أن لا يعرف عدوك أو خصمك أو منافسك أو حتى حبيبك كيف تفكر؟ ومتى تتصرف؟
وحكومة الفريق “بكري” متفق على تجانسها ووحدة صفها وتماسك اأعضائها رغم كثرة أحزابها وتعدد مشاربهم، إلا أنها أكثر الحكومات بعداً عن تشاكس شركائها، ولكن أيضاً المتفق عليه أن بعض الوزراء عطائهم دون الطموح، ولكن يظل أمر تغييرهم وتقييم أدائهم وقرار إعفائهم أو الإبقاء عليهم سُلطة حصرية لرئيس الجمهورية، ولرئيس مجلس الوزراء فقط.
أما الآخرون فهم يمنون أنفسهم الأماني ومن حق أي إنسان التمني.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق