مسامرات

لايزال الليل طفلاً يحبو

محمد إبراهيم

*رسم العرق على ظهورهم خريطة النشوة، ومناخ الطرب يزداد كتمة، تتعامد العكلابة على الدارة ليلاً، قمم الهجيج تحجب الرؤية، القرد يحتحت أوراق السدر ويقطف ثمار النبق .. النبق .. النبق.
*الفتيان في زنقة استثنائية، والفتيات يشاركنهم النقدة خوفاً من العنوسة .
*يقطع ضوضاء المكان صوت موسى أخو العروسة المتحشرج من لسعة الخندريس المعتق الذي صنع بإتقان في إنداية المحبة خصيصاً للذي يضخ الشرتيت.
*كانت المنصة الغنائية عبارة عن كارو حصان بعد استئذان صاحبها (فكي فانوس) والتي لا تخلو من مسحة شنب لأنه دائماً يتضجر وينقنق من الحفلات لأنها تسهم في إستهلاك أصله الثابت وهلهلة الكارو .
*خطف موسى المايك من مطرب الجمهور وقائد الأسطول الملهم ( كِعوِّرة) صاحب الحنجرة الصدَّاحة والمخارج الطروبة، والذي كان يتميز عن أقرانه بالزهد في العداد، وعدم المغالاة وتقدير الظروف الاقتصادية للعريس، كان يقبل أن تكون قيمة الحفل كيلتين من الفتريتة أو ملوة من بليلة العدسي، وإذا لم تتوفر لا يمانع في التأجيل إلى حين الحصاد بكلمة شرف من العريس دون ضمانات مكتوبة، لأن ثقته مفرطة فيمن حوله، ومؤمناً بفنه ورسالته السامية .
*تنحنح موسى ليتأكد أن جقدول (بتاع الساوند) الغتيت لم يقطع الصوت، ولكنه لم يفعل خوفاً من عكاز موسى وسكينه الملسنة بالجنبة، وبنيته المشهورة التي ولدت كثير من الإغماءات في حالات مشابهة.
*يا شباب الأغنية الجاية للعريس والعروس بإشارة منه إلى فض الإختلاط وخاصة الضيوف أصحاب العريس الذين تسيدوا المنطقة وجذبوا (الجكس) بتقليعاتهم الجديدة من أزياء ورقصات.
* كان لابد لموسى أن يعلن عن وجوده وأن هذه البقعة لها شفوتها، وأيضاً بطريقة غير مباشرة أراد أن يلفت إليه إنتباه (فطين) بنت عمه التي رفضت الارتباط به متحججة بتحسين النسل، وذلك بعد أن تلقت علمها في محو الأمية الذي تديره منظمات خيرية بالحلة، وبعدها غيرت اسمها إلى ( توتا) وصارت تعطِّش بعض الحروف.
* ألقى (موسى) عبارة تطمينية على الجمع (مازال الليل طفلاً يحبو) وأبشركم أن الحفلة صبَّاحي .
*علت الصافرات وأستؤنفت السهرة، نزل موسى من المنبر تكسوه علامة السؤدد، ووقف يترقب مآل توجيهاته.
*في مثل هذه المواقف يدرك (كِعوِّرة) فن التعامل ويختار أغاني هادئة تلائم الحدث، أمسك العريس يد عروسته وتمايلا مع الموسيقى وأعين الجمهور تشاركهما الاحتفال.
*بدأ يتسلل البعض إلى الساحة لمشاركة العرسان بذريعة القربى وأولهن (توتا) المتوهجة بعد اجتهادها الأيام الماضية في نظافة وجهها باللخوخة وتقلدها منصب الوزيرة.
*لم يتمالك أحد الضيوف من أصحاب العريس كبت مشاعره الجامحة تجاه (توتا) خصوصاً وأنها تبادله النظرات خلسة عندما تغفل عنها عين موسى .
*لا يعلم المسكين أن تلك النظرة قد تسوقه إلى حتفه وتحول الحفل إلى مأتم .
سرعان ما تدارك العريس الموقف وأصطحب صديقه ليبشِّر على الجميع خوفاً على إفساد ليلته .
* استيقظ ( فكي فانوس) من نومه العميق وصلى فجره تأهباً لرزقه، اقتنص سانحة الاستراحة الغنائية (الفاصل) وأسرج حصانه وغادر يجر خلفه المنصة (الكارو) معلناً النهاية، وترك لهم متبقي العلوق ليسدوا به مخمصتهم .
خالد صديق

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق