خارج النص

الحفر والدفن

الخطاب الذي قدمه د. “فيصل حسن إبراهيم” مساعد رئيس الجمهورية، ونائب رئيس حزب المؤتمر الوطني، في كادقلي وهو يحذر عضوية حزبه من مخاطر التنافس غير الأخلاقي من أجل المناصب القيادية والتشريعية، أعاد التحذير والخطاب الصارم للأذهان بندول “نافع” الذي هدد عضوية حزبه باتخاذه وصفة علاجية لأمراض أخذت في التفشي في جسد الحزب، مع أن البندول هو مسكن فقط للآلام وليس مضاداً حيوياً يقوي مناعة الجسم ويقتل البكتيريا الضارة والنافعة، ومن المفارقات أن د. “نافع” رغم شدته الظاهرة وصرامته كان رحيماً ورؤوفاً بعضوية المؤتمر الوطني.
ولكن د. “فيصل” الذي تحدث بصراحة شديدة مع قواعد حزب المؤتمر بكادقلي أمس الأول، قال من يحفر حفرة بعد اليوم لأخيه (سندفنه) في تلك الحفرة التي قد تكون بقدر مقاس الحافر، فمن حفر حفرة عميقة فإنها بالطبع ستصعب عليه النهوض مرة أخرى، أما أن كانت حفرة سطحية فإنها ستغطي نصف جسمه وتبقي على النصف الآخر مكشوفاً
وحينما يضطر نائب رئيس الحزب لاستخدام العصا لكبح جماح التفلت فإن الأمر يعود في الأساس لغياب المنافس الآخر،
وقد دفع المؤتمر فاتورة باهظة الثمن حينما اختار لنفسه أن يبقى قوياً وسط الضعفاء وكبيراً وسط الصغار وثرياً في محيط فقير، وانقسم المؤتمر الوطني في غياب الآخر وإحساس قيادته بأنها وحدها لا شريك لها في الساحة، وتحت الرغبة في التحكم والسيطرة ونزوة الحكم وحب المال كان الانقسام الشهير في الرابع من رمضان ليذهب نصف الحزب مع شيخه، والنصف الآخر مع قائده، ورغم ذلك استمرت حالة الحفر والدفن التي يحذر منها طبيب البيطرة الذي أصبح اليوم مسؤولاً عن معالجة أمراض الإنسان السلطوية وشبق نزوته الذاتية.
تعرض الحزب أيضاً لتصدعات أقل أثراً بخروج مجموعات أخرى، مثل جماعة “الطيب مصطفى” التي ساءها وجود الجنوب الزنجي في دولة تعتقد أنها نقية عرقياً فتخلق منبر السلام، ومن بعد خرجت مجموعة “غازي صلاح الدين” وفي الانتخابات الماضية أيضاً خرج من صف الوطني النواب المستقلون، وفي الانتخابات القادمة قد يخرج آخرون كل ذلك بسبب غياب المنافس الحقيقي وضعف الأحزاب المنشقة، وهي خطر على الوطني ومهدد لوجوده وحتى لا يضطر د. “فيصل” لدفن قيادات حزبه في الحفر التي يحفرونها لبعضهم، وهو دفن مثل دفن الذرة في مطامير القضارف، فاليوفر نائب رئيس الحزب (كواريق) الدفن للآخرين، ويحصن حزبه من شرور نفس الحزب بتعبيد الطرق للأحزاب القادرة على المنافسة لتنشط وتعمل من خلال رفع القيود عن النشاط السياسي وإطلاق ماهو مقيد بالإجراءات الذرائعية حتى يجد الوطني منافسين حقيقيين يحصنونه من داء التصدع والتفلت.
أما إذا لم يستخدم الوطني الوصفة الشافية لمرض الانقسام والتصدع، فإنه بالطبع سيخسر الكثير ويتعرض مرة أخرى لامتحانات صعبة وتشظيات جديدة، ومثلما فشل بندول “نافع” في تسكين الصداع النصفي، قد تفشل أيضاً عصاة وكواريق “فيصل” في كبح جماح التفلت واللهث وراء السُلطة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق