تقارير

هل كان “عبد الله علي إبراهيم” متجنياً على “منصور خالد” في كتابه الأخير

قصة (19) سودانياً يكتبون تقارير للسفارة الأمريكية بالخرطوم

يوسف عبد المنان

“عبد الله” و”منصور” قصة رجلين في كتاب

ضرب الجفاف والجدب الساحة السودانية.. وجفت الحروف.. وصار الكتاب سلعة مثل الثوم والبصل.. والعنب والتفاح.. وفي متاهة جنرال المالية السابق “الركابي” توقفت واردات الكُتب بأمر السلطان “الركابي”.. الذي ضرب بالتزامات البلاد الدولية الأرض، حيث تنص اتفاقيات اليونسكو وعضوية السودان فيها على الالتزام برفع أي قيود على وارد الكتاب.. وتداوله وحرية تلقي المعلومات.. وفي نصوص الدستور ما يؤكد على تلك القيم الرفيعة، بيد أن الأقوال شيء والأفعال شيء آخر، وفي مناخ الجدب وسنوات التصحر الثقافي والتقهقر الفكري.. خلت الساحة من مساجلات المثقفين والمفكرين ولم يجد قلم في مقام وقامة د.”عبد الله علي إبراهيم” من سبيل غير إعادة نشر القديم من المواقف والرؤى.. والمساجلات بينه ومثقف آخر هو الدكتور “منصور خالد”.. ومنذ سنوات أصاب الساحة جدب وفقر في غذاء الروح.. وانزوى بعيداً كُتاب ومفكرون من حملة مشاعل المعرفة.. وساد الساحة شيء آخر.. من العراك.. كانت سنوات مايو وديمقراطية ما بعدها.. قد شهدت خصوبة في أطروحات التيارات، تصدع الحزب الشيوعي إلى تيارات ومدارس.. وقدم للرأي العام طعماً من جزالة التعبير عن المواقف ما بين “عمر مصطفى المكي” و”عبد الخالق محجوب”.. و”صلاح أحمد إبراهيم” وأخرجت أرض بعانخي وترهاقا مدارس أدبية ما بين الغابة والصحراء.. وجروف (الأبروفيين) منسوباً إلى (حي أبو روف).. وفي سنوات الديمقراطية الأخيرة.. كان “المحجوب عبد السلام” من الإسلاميين.. ود.”خالد حسين الكد” من الراديكاليين اليساريين.. و”كمال الجزولي” والشاعر “أبو آمنة حامد” قد خصبوا تراب الأرض وسموا بالخلاف السياسي إلى مراتب سامقة.. في عصر الجفاف أصدر د.”عبد الله علي إبراهيم” كتاباً يقع في (397) صفحة عن دار المصورات المهتمة بالنشر.. تحت عنوان ثلاث نقاط و”منصور خالد”.. في إشارة من د.”عبد الله علي إبراهيم” لواحد من خطب خطيب مايو د.”عمر الحاج موسى” الذي كان بارعاً في التعبير عن مايو.. وفي احتفالية الاتحاد الاشتراكي في فبراير 1977م، كما يزعم د.”عبد الله علي إبراهيم” بفوز الرئيس المشير “جعفر محمد نميري” رئيساً بعد استفتاء لم يشاركه آخرون شأنه في ذلك شأن أنظمة عسكرية عديدة تأتي إلى السلطة في غسق الليل محمولة على مجنزرات الجيش، ولكنها تظل تبحث لنفسها عن مشروعية شعبية حتى تلقي حتفها.
في احتفالية الاتحاد الاشتراكي وقف المرحوم “عمر الحاج موسى” وزير الثقافة والإعلام ليعلن النبأ للعالمين بفوز “نميري” وألقى خطبة إلى حيث أحصى الأصوات التي نالها المشير بين مندوبي المؤتمر العام للاتحاد الاشتراكي، واستطرد في وصف سجايا المشير التي حببت الناس فيه وذكته للرئاسة، وركز المرحوم على بيان أطياف السودانيين التي أجمعت على “نميري” كل في مفردات تنوعه وخصوصياته، وفي ذلك قوله: (جاءوا من كافة البلد بعد أن هجروا الرجز وطهروا الثياب جئنا اثنين ألف مندوب، وهنا في هذه القاعة جلسنا قيافة بعافيتنا وسلامتنا جئنا من عجاج وحجل وسديري وقفطان وملفحة وعباية و”منصور خالد”، وصارت الإشارة الأخيرة عنواناً لكتاب د.”عبد الله علي إبراهيم”.. الذي أحال مفردة دعاية عادية إلى كتاب جمع فيه الرجل الباحث، الذي خرج من الحزب الشيوعي فتى أغر، ولم يعره الحزب الشيوعي اهتماماً ولكنه نثر عبر سنوات ممتدة مقالات في الصحف السيارة حينذاك تنال من د.”منصور خالد”.. وظل مطارداً له في تقلباته ما بين مايو والحركة الشعبية وحتى العودة النهائية، وما بين صفحات الأيام في سنوات مايو ومجلة الخرطوم الجديدة التي وجدت في مقالات “عبد الله علي إبراهيم” عام 2005م، ما يشفي غل الكثيرين من المبغضين لـ”منصور”.. سوقاً ، خاصة وأن “منصور” في ذلك الأوان صار مسموحاً ومتاحاً له التعقيب بالتصويت والإيضاح والإبانة لما أشكل على الناس، فهل كتاب و”منصور خالد” الذي صدر في عام 2018م، وهو تجميع لمقالات قديمة قد بعث في الساحة الدفء وخصبها بنفحات من ملامح ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي أم هي مجرد خصومة شخصية بين رجلين بينهما ملامح شبه واختلاف.. وغيرة وتهاجٍ ومنافسة!!
{ النشأة والتكوين
في السودان الفقر سبة والغنى سبة.. وقد اتخذ د.”عبد الله علي إبراهيم” من نشأة د.”منصور خالد” الأم درمانية وخروجه من بيت متوسط الدخل يسمح له باقتناء السيارة.. أو حتى ارتداء ملابس الأفرنج من بدلة وربطة عنق مذمة ومنقصة تقدح في أهليته للحديث عن قضايا العامة.. وفي السودان إذا وهب الله أسرة مالاً وصف الأبناء بالناشئين على تناول الأرز (بمعالق) من الذهب، وإذا خرج المرء من الأحياء الفقيرة. وغسل الفتى ملابسه من تراب أم بدة ورمال سنكات استكثروا عليه بيتاً من الأسمنت في أركويت.. وقالوا متى خرج من بيت القش والجالوص.. ومثلها في السودان إذا كنت ممن خلقهم الله ببشرة سمراء أو بيضاء اتخذوا من بشرتك منقصة في نظرهم ودعوك (بالحلبي)، منسوباً إلى بلدة حلب السورية، مع أن الحلب – أي سكان حلب السورية – خرج من بطونهم أعظم القادة في دولة الإسلام.. ومعظم حكام دولة بني أمية من حلب.. لكن في السودان تمتزج الأهواء بالأغراض.. وينسب (الحدادون) أي المشتغلين بحرفة (الحدادة) الشريفة إلى بلدة حلب السورية وإذا كنت في بلادنا من ذوي البشرة السوداء أطلق عليك (فرخ) أو (عبد) وهو تعبير محتقن بالدلالات الاستعلائية، ود.”عبد الله علي إبراهيم” يقول في كتابه ص(17) عن نشأة د.”منصور خالد” البرجوازية: بأنها اصطدمت بالغلبة الطائفية وبالضجر والمغامرة، ولا يعرف من صور ألمعيتها الهضمية في مجتمع يسوده أهل الإرث، قاطعاً طريقهم للريادة مثل الشاعر “محمد المهدي المجذوب” بقوله (نحن في مسألة الحكم بين نارين جهل الطائفية وعصبية الهاربين من ذكائهم وبين الاثنين تحالف غير مكتوب)، أما مغامراتها فتجسدت في تبنيها بمختلف ألوانها السياسية والأيديولوجية والمهنية خطة الانقلاب العسكري أو الحركات المسلحة في غير مركز الحكومة) لكسر ظهر الكيان الإرثي السياسي فلا سبيل لصغار البرجوازيين التخلص من طبقة الإرث بالطريق البرلماني الليبرالي وهي خلو من النفر والغزارة، تلك هي كلمات اتخذها العالم د.”عبد الله” كمدخل نقدي لشخصية “منصور خالد” منذ الصغر، وقد حاول الرجل أن ينفي عن نفسه ترصداً متعمداً ، وقال الرجل أي “عبد الله علي إبراهيم”: إن الحديث عن الصفوة المتعلمة، أذاع مصطلحها في كتابه الصادر عام 1979م، تحت عنوان : حوار مع الصفوة.. وهي طبقة يقول عنها قل النظر في سياستها ومنشأها الفكري المادي عنده وعند غيره وعوضاً عن ذلك التباكي عن فشلها وإدمانها الفشل تباكياً هي النادية الأعلى صوتاً فيه والأغزر دموعاً ، والمعلوم في نظر د.”عبد الله إبراهيم” إن البرجوازية الصغيرة في الرأسمالية الكلاسيكية طبقة بينة.. ويقول د.”عبد الله إبراهيم” : إن “منصور خالد” لهث وراء حزب الأمة ولم يظفر بشيء منه سوى اختيار رئيس الوزراء “عبد الله خليل بك” لذلك الشاب الأنيق في هندامه مديراً لمكتبه في سنوات باكرة من حياة الشاب المترف.
{ استخدام كل الأسلحة
أشهر “عبد الله علي إبراهيم” في كتابه الجديد بعد تحسين وتغيير شكلي في المقالات القديمة، كل الأسلحة القاتلة للنيل من الرجل، الذي يقول “عبد الله إبراهيم” في مقدمة الكتاب تقديره الشخصي لـ”منصور” ولكن التقدير الشخصي لم يحول دون محاولة إثبات اتهامات ظلت تطلق في الفضاء عن (عمالة) الرجل الكبير لمخابرات الولايات المتحدة.. وفي الفصل الثالث والعشرين من الكتاب تطرق فيه لصلة “منصور” بالمخابرات الأمريكية مما كان معلوماً بالضرورة بين أبناء جيله في الخمسينات على زعم د.”عبد الله” الذي قال إنه عثر على تقرير مخابراتي مخدوم عن الشيوعية في السودان تخلق التقرير في مكتب الاتصال الأمريكي قبل أن تصبح سفارة عام 1953م، وورد في التقرير اسم “منصور خالد” (كمصدر معلومات) فهل بالضرورة كل مصدر معلومات بالضرورة أن تكون له صلة وظيفية بالجهة التي أشارت إلى ذلك ومصادر المعلومات كما يعرفها (صغار) المخبرين ينقسم إلى نوعين مصادر مفتوحة كالصحف وكل وسائل الإعلام وهي مصادر أكثر موثوقية وصدقية ومصادر خاصة، فهل التقرير الذي عثر عليه العالم “عبد الله علي إبراهيم” من مكتب الاتصال الأمريكي التزم بتعريف مصدره أم تركه مرسلاً خاضعاً للتأويل.. ولم يشأ د.”عبد الله علي إبراهيم” كشف أسماء تسعة عشر شخصاً آخرين وردت أسماؤهم في التقرير الذي زعمه ، وآثر الرجل (سترهم) أو غض الطرف عنهم واختيار خصمه “منصور” فقط والتعريض به ومحاولات إثبات عمالته.. مع أن ما يكتبه “منصور خالد” من ذلك الحين هو مصدر معلومات ، وكل كتب الرجل غنية بذلك.. وفي صفحة (23) يجرد “عبد الله علي إبراهيم” “منصور خالد” من أي نجاح في الحياة العامة ويقول: لو سألنا ماذا سيبقى من “منصور” بلا منازع في التاريخ فالإجابة هي كلمته هوالفشل وإدمان الفشل التي سارت بها ركبان من بسط لهم التاريخ صيغاً مريحة محفوظة فليس من الوصف الوظيفي للمثقف في كتابة تاريخ ما يطلبه المستمعون أو مقاولو السياسة فمن تبعة المثقف أن يبسط مالا يجوز تعقيده ، ولكنه حسب “كريس هتشن” أن يجادل بمعتقد المسائل أو يصر ألا تجرجر الشعارات هذه المسائل أو تهبط في تبسيط الظاهر إلى إدراك صيغ محفوظة.. ويزعم د.”عبد الله علي إبراهيم” إن “منصور خالد” حينما سأل عن سبب التحاقه بالحركة الشعبية قال: إنه أراد إنقاذ الإسلاموعروبيين من أنفسهم ، ففي عقيدته أننا أسأنا الإخاء الوطني وظلمنا الجنوبيين ظلماً بيناً، وهذا نبي يمد لنا اليد أن نركب.. وإلا الطوفان وهي نبوءة كذوبة فلم ينتظر القوم هذه النبوءة المدعاة ، وسيرى قارئ هذا الكتاب إن هناك في اليسار من سبقه إلى صفة الشمال الآخر.. منذ الخمسينات حين لم ير “منصور” النور إلا بعد عقود كان فيها مطعوناً فيما فيه من استعلاء شمالي معروف فصلناه في الكتاب، بل لم يتخلص منه حتى بعد أن رأى النور وسنرى إنه لم يفارقه بعد متوهماً إنه صار ذلك الشمالي الآخر بقرينة عضوية الحركة الشعبية (أسود في لغة بيضاء) كما سنرى في فصول الكتاب، ولكن “منصور خالد” في كتابه جنوب السودان في المخيلة العربية الصورة الزائفة والقمع التاريخي.. وفي تبرير وقوفه مع الحركة الشعبية ص (194) يرد د.”منصور” على منتقدي انتمائه لحركة جنوبية انفصالية، ويقول: نحن نعالج واقعاً سياسياً لن يبدل منه التشكيك المتواتر، إذاً هناك ثمة افتراضات تتبع مزاعم هؤلاء، الافتراض الأول هو أن الحركة الشعبية كانت صادقة في دعواها الوحدوية وهذا أمر كان حرياً بأن يصبح مصدر بهجة للوحدويين بصرف النظر عمن تلجأ إليه من تكتيك لتحقيق أهدافها الإستراتيجية، أما موقف بعض أهل الحكم الذين ما يزالون أسرى فهم ميتافيزيقون للذات يجعل من ذواتهم أساساً لكل الظواهر والجوهر المطلق لكل ما حولهما.
مثل هذا الفهم يترجى الناس الانزلاق ذوي النهى ففي مقال الكاتب العالم د.”عبد الله علي إبراهيم” جدير بالتقدير ورد وصف الشماليين الذين شاركوا في مفاوضات السلام بجانب أخوتهم الجنوبيين بـ(النشاز) ، واعتذر الكاتب بأن اللغة لم تسعفه بكلمة أقل حرجاً، وجود هؤلاء الشماليين بجانب المفاوض الجنوبي في تقديره يستفز أبناء جلدتهم استفزازاً يخرجهم عن طور التفاوض إلى الكيد والغضب ونتفق مع الأديب على أن في وجود بعض الشماليين في صفوف الجنوبيين نشاز على الموسيقى التي ظللنا نسمعها منذ الاستقلال حول الشمال والجنوب، فآذت مسامعنا، إن الذين شاركوا مع أخوتهم الجنوبيين في أوركسترا التفاوض المستبدعة في نظر الكاتب الكبير لا يردون تأويل قراءة ذهن بني جلدتهم (للتعبير نفسه دلالات) ربما ما ذكره د.”منصور خالد” هو ما يجعل حتى اليوم جلوس “ياسر عرمان” في صف مقابل وفد الحكومة المركزية يثير غضباً عارماً وسط الصفوة العربية الإسلامية.. ولكن د.”عبد الله علي إبراهيم” في تجليات نقده المُر لتجربة وشخصية “منصور خالد” يقف شاهداً على أحداث غمرها النسيان سواء في أكتوبر أو مايو الظافرة المنتصرة التي كان العالم المثقف واحداً من قادتها حتى ترجل من سفينتها حينما شعر بأنها غارقة لا محالة.. مثل موقف د.”غازي صلاح الدين” من أخوته يوم أحداث سبتمبر التي ترجل على وقع دخانها غازي” من قطار الإنقاذ وخرج على صوت هتاف شبابها السيد “الميرغني” ولم يعد حتى اليوم، ونحن نعود لقراءة ما لم يخطر على بال كثيرين ممن خطه العالم المحترم “عبد الله علي إبراهيم”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق