حوارات

د. “أحمد آدم” مفوض العون الإنساني في اعترافات جريئة لـ(المجهر)

تراجع اهتمام المجتمع الدولي بالأوضاع الإنسانية في السودان لثلاثة أسباب

قرار مجلس الأمن حول قاعدة اليونميد في قولو بموجب الفصل السابع ولن أتحدث أكثر
لن نسمع بدخول ممرضين من فرنسا ومخزنجية من استراليا للسودان للعمل في الحقل الإنساني
هذا ما حدث في المفاوضات مع الشعبية عن وصول المساعدات الغذائية
حوار يوسف عبد المنان
يعد الملف الإنساني من القضايا الشائكة التعقيد، وخلال السنوات الماضية ظلت القضية الإنسانية حاضرة في دهاليز السياسة السودانية، تماهت قضية المساعدات الإنسانية مع قضية حقوق الإنسان وتداخلت مبادئ توصيل الإغاثة مع نشر القوات الأممية في دارفور، وتصاعدت حدة المواجهات بين الحكومة السودانية والمنظمات الطوعية المنضوية تحت سقف الأمم المتحدة أو المنظمات الطوعية الخاصة .. وطردت الحكومة عشرات المنظمات وسمحت لمثلها بالدخول، وتقاطعت مهام بعضها مع سيادة الدولة فكان نصيبها الطرد.. ولا تزال الحكومة تردد بأن واحدة من محفزات التمرد في جنوب السودان على استمرار الحرب، توقيع الحكومة نفسها على اتفاقية شريان الحياة لتوصيل المساعدات الإنسانية .. بل يذهب البعض للقول بأن من أسباب إطالة حرب الجنوب توقيع الحكومة على تلك الاتفاقية.. ولكن بعد أن ذهب الجنوب إلى سبيله كدولة مستقلة قل الاهتمام بملف الأوضاع الإنسانية في السودان، هل بسبب تحسن طرأ على الأوضاع بما في ذلك دارفور أم لأسباب أخرى؟
(المجهر) أجرت حواراً مع د. “أحمد محمد آدم” مفوض العون الإنساني، وهو شاب يكتنز تجربة ثرة في الملف الإنساني وقدرة فذة في التعبير عن مواقف حكومته أكسبته احترام الأجانب وتقدير قيادات الدولة .. وبرزت موهبة د. “أحمد محمد آدم” في مفاوضات السلام وهو يتأبط الملف الإنساني ويقدم أطروحات وأخرى بديلة وضعت الطرف الآخر في موضع الدفاع عن نفسه في غالب الأحيان .. ماذا قال مفوض العون الإنساني في حديثه (للمجهر):
* ظلت الحكومة السودانية تواجه تدخلات بأشكال متعددة بسبب الأوضاع الإنسانية.. هل تراجعت التدخلات بعد انفصال الجنوب؟ أم تحسن الوضع الإنساني فيما تبقى من السودان؟
– الفصل بين العمل الإنساني والسياسي صعب جداً..لأن العمل الإنساني مرتبط بالمانحين الذين يمثلون في الغالب دولاً كبيرة، وهي دول لها رؤى وسياسات وأجندات في عدد من القضايا الدولية، وبالتالي يصبح الاتهام بالعمل الإنساني كأحد المداخل للتعاطي مع بعض القضايا السياسية من هذا المدخل الإنساني ، السودان واحد من دول العالم التي كثيراً ما يتم فيها التدخل في مجالات حقوق الإنسان والاحتياجات الإنسانية واللاجئين والنازحين من الداخل بسبب الصراعات عبر العمل الإنساني .. تجد بعض المنظمات ليست لها أجندات هي نفسها ولكن توجه هذه المنظمات من قبل المانحين لإحداث تغييرات معينة لها طابع سياسي، السودان ما كان استثناءً في هذا الجانب.. ولعل الاهتمام الكبير بقضية دارفور كمثال وتضخيمها والحيز الكبير الذي وجدته من الإعلام والدعم والتواجد الأجنبي.. كان واحداً من أدوات الضغط على الحكومة لتمرير قضية فصل جنوب السودان.. لو لاحظت بعد انفصال الجنوب قل الاهتمام بقضية دارفور وكأن هناك ارتباطاً بين القضيتين، تجد ذات الجهات التي تهتم بقضية نازح أو نازحة أو عدد من النازحين في بلد ما ، نفس هذه الجهات تغض الطرف عن حصار كامل يقع على غزه.. بل تدعم هذا الحصار.. وهي نفس الجهات التي تتحدث عن حقوق الإنسان في دول معينة، وهذه ذات الجهات التي تزيح الدموع عن أخريات من القضايا..
* ثمة ارتباط وثيق بين ملف الغذاء وقضايا حقوق الإنسان.. هل هو ارتباط حديث أم قديم؟
– هو طبعاً مفهوم، تقديم المساعدات نفسه حدث فيه تطور كبير.. زمان كان هناك مفهوم الحاجة، الإنسان محتاج بالتالي تقدم إليه مساعدات.. لكن الآن المفهوم تغير لمفهوم الحق.. أي من حق المحتاج أن يجد المساعدة وبالتالي من هذا المفهوم الجديد للعمل الإنساني.. أصبحت قضايا الاحتياجات الغذائية والصحية والإيواء أصبحت حقوقاً وليست احتياجات.. بالمفهوم الحقوقي للقضايا الإنسانية وبالتالي أضحى التدخل فيها كبيراً، والحديث عن انتقاص سيادة الدول حديث متداول كثيراً.. والحديث عن القانون الدولي الإنساني في هذا الجانب الغذاء حق للمحتاج.. لذلك بات هناك من يتبنى قضايا الغذاء.
* لماذا خفت حالة الاشتباك بين الحكومة والمنظمات.. هل تراجعت المنظمات عن بعض ما كانت تقوم به؟ أم تنامى وعي حكومي بطبيعة عمل المنظمات؟ في السابق كانت المنظمات تكتب تقارير سالبة عن الأوضاع وترفع الحكومة كروتاً حمراء بطرد المنظمات وحظر نشاطها؟
– هناك عدة أسباب، أولاً: تحسن الأوضاع نفسها، لم تعد الأوضاع في دارفور على سبيل المثال هي نفسها في(2004 م أو 2005م)، حدث تحسن كبير لا تخطئه العين سواء كان على الصعيد الأمني أو الخدمات التي تقدم للمواطنين.. الأوضاع الإنسانية لها مؤثرات محددة يتم بها قياس الأوضاع..
ثانياً:السودان اكتسب خبرة كبيرة في التعامل مع المنظمات، بالتالي أصبح التعاطي معها بطريقة تختلف عن الطريقة السابقة.. ثالثاً: تحسن علاقات السودان الخارجية مع عدد من الدول وبالتالي أصبح هناك حوار مباشر بين السودان والدول التي أصلاً لها تأثيرها على المنظمات .. رابعاً: وعي النازحين أنفسهم بتسييس قضاياهم سواء كان تسييساً من قبل بعض المعارضين السودانيين أو الحركات المسلحة أو بعض المنظمات.. والنازح أصبح واعياً بأن لا يصبح أداة لتمرير بعض الأجندات، هذه الأسباب الأربعة الرئيسية أدت إلى انحسار التوتر في العلاقة بين الحكومة والمنظمات.
* هل حدث أي تحسين للقوانين الوطنية والاعتراف بدور المنظمات الإنسانية في تقديم الخدمة للنازحين وغيره قلَّل ذلك من حدة الاشتباك؟
– أصلاً هناك اعتراف من البداية أن المنظمات مسموح لها العمل بالسودان، وهناك قوانين تنظم عمل هذه المنظمات ولوائح تنظم عملها.. ولكن الجديد أننا استفدنا من خبراتنا وتم إقرار سياسة الشراكات بين المنظمات الأجنبية والوطنية ..ليس مسموحاً الآن لأية منظمة تنفيذ مشروع إلا باتفاقية فنية.. من خلال طرفين الأول الوزارة الفنية المعنية حسب مجال المشروع.. صحة مياه.. زراعة .. تعليم.. مضافاً لذلك منظمة وطنية تساعد في تنفيذ المشروع وتتدرب على اكتساب مهارات جديدة.. هذه واحدة من التحسينات التي حدثت، ثانياً: تم دعم قضية توطين العمل الطوعي والإنساني من خلال زيادة العناصر الوطنية التي تقوم بتنفيذ المشروعات، بمعنى ليس هناك سبب أن يأتي أمين مخزن من أستراليا أو ممرض من فرنسا أو محاسب من ألمانيا، كثير من الوظائف أصبحت سودانية، لأن بعض الوظائف كانت وهمية ليس لها مبرر، الآن وجود المواطنين الأجانب في المنظمات لا يمثل إلا(3%) فقط و(97%) من العاملين هم موظفون وعمال سودانيون.. هذا له أثر كبير.
* اليونميد التزمت بالخروج التدريجي من السودان وبدأت عملياً مرحلة الانسحاب من عدد من المواقع، لكن بطريقة غامضة ومريبة أعلنت اليونميد الانفتاح في جبل مرة.. وتأسيس قاعدة لها في مدينة قولو وسمحت الحكومة بذلك مما يثير علامات استفهام عديدة؟
– طيب.. أنا لا أريد الخوض في موضوع اليونميد.. لأن هذا الملف مسؤولة عنه جهات أخرى.. لكن بحكم عضويتي في اللجنة صدر قرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع لفتح قاعدة لليونميد بمنطقة قولو.. القاعدة حسب الهدف المعلن لحماية العاملين في الشأن الإنساني الذين سيقدمون مساعدات للمنطقة.. وبالتالي بعد تقديرات عديدة سمح السودان بفتح هذه القاعدة.. لكنها قاعدة محدودة بالمساحة الجغرافية التي تتواجد بها، القوة الموجودة بقاعدة قولو محدودة جداً لا تتجاوز الـ(300) شخص.. في تقديري المتواضع لن تؤثر على انسحاب اليونميد .. هم حتى الآن انسحبوا من (11) موقعاً بدارفور، وفتحوا موقعاً واحداً جديداً.. الآن الانسحاب مستمر لليونميد، القوات التي تبقت من حدود (20) ألف عنصر يتبقى الآن حوالي (4) آلاف فقط.. وعملية الانسحاب مستمرة، التقدير بانفتاح اليونميد في دارفور تقدير سياسي لأسباب معينة ولا أعتقد أن هذا يؤثر على الانسحاب الكلي لليونميد.
* متى ينسحب الأربعة آلاف نهائياً من دارفور؟
– في عام(2020) ستنسحب قوات اليونميد نهائياً..
* مع حلول موسم الانتخابات الرئاسية القادمة؟
– بحلول(2020) ستنسحب قوات اليونميد نهائياً..كما هو متفق.
* بشرط ألا تحدث تطورات سالبة؟
– بإذن الله لن يحدث تطور سالب.
* هو التزام من مجلس الأمن؟
– تقريباً نعم ، لأن في اجتماعات مجلس الأمن والسلم الأفريقي كانت التوصية أن تخرج قوات اليونميد عام(2020م) ورفعت التوصية لمجلس الأمن الذي قبلها ولم يرفضها.
* من أسباب فشل المفاوضات الأخيرة بين الحكومة والحركة الشعبية الخلافات العميقة حول الملف الإنساني.. وهي قضية وصول المساعدات .. هل من الداخل أم من الخارج، في تقديرك هل “من أين تصل المساعدات” قضية وسبب يؤدي لفشل المفاوضات وبالتالي عودة الفرقاء لدائرة الحرب؟
– السودان منذ(2012) في فبراير.. قبل دخول المساعدات الإنسانية من الخارج ، لكن ما هو الفرق بين أطروحة الحكومة وأطروحة الحركة الشعبية .. الحكومة تقول المساعدات أصلاً تأتي إليها من الخارج.. الجديد تريد المساعدات أن تصلها من الخارج مباشرة ، وأن لا تمر بأي إجراءات حكومية لا جمارك ولا صحة ولا فحص أمني.. وبدون جوازات تتحرك الطائرة من نقطة خارجية إلى مناطق لا تسيطر عليها الحكومة، في فبراير(2012م) تم طرح المبادرة الثلاثية لتوصيل المساعدات الإنسانية للمناطق التي تسيطر عليها الحركة في المنطقتين.. المبادرة أطرافها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية .. نحن وافقنا على المبادرة.. مجلس الأمن في قراره (2046) دعم المبادرة، السودان أيضاً وافق على قرار مجلس الأمن في ما يتعلق بهذا الجانب ، الحركة الشعبية وقعت معنا مذكرة أو وقعت مع الثلاثية مذكرة منفصلة ونحن كذلك وقعنا مع الثلاثية.. ولكن الحركة تنصلت عن الاتفاقية قبل جفاف مدادها، بعد ذلك توالت المبادرات في(2013 و 2014 و2016) كل المبادرات التي بلغت (10) مبادرات الحكومة قبلت بها ورفضتها الحركة الشعبية.. الحديث عن أن الحكومة رفضت توصيل الإغاثة حديث غير دقيق .. في معظم الأحيان الحركة هي التي ترفض وتحاول جعل الملف الإنساني ساخناً لأنه يجد التعاطف والاهتمام المحلي والدولي بالقضية الإنسانية، آخر مبادرة خارجية قدمت هي المبادرة الأمريكية لتوصيل المساعدات ونحن أعلنا قبولنا بها ، ولكن الحركة رفضتها.. في حديثنا معهم طالبنا الحركة بتأسيس آلية مشتركة لتوصيل المساعدات، لكنهم رفضوا هذا المقترح بحجج غير منطقية في تقديري.
رفضوا الآلية الثلاثية ورفضوا حتى تحصين الأطفال بدون أي شروط .. رفضوها حتى لو قامت بها الأمم المتحدة، أو حتى أن يقوموا بالتحصين هم أيضاً رفضوا ذلك ، الحقيقة هناك رفض غير مبرر وتوظيف للعمل الإنساني للأغراض السياسية يفقدك المصداقية.. موقفنا أن المواطنين في المنطقتين مسؤوليتنا قبل أن يكونوا حركة شعبية.. أي مواطن سوداني من حقه نيل المساعدات.. نحن لا اعتراض لنا على توصيل المساعدات من الداخل.
لكن للأسف الطرف الآخر يتمسك برفضه المستمر، ليتهم أعادوا النظر في تلك المواقف.
* ألا يعتبر فشل المفاوضات بسبب توصيل المساعدات فشلاً للطرفين؟
– الطرفان لم يعودا للحرب .. لدينا وقف إطلاق نار صامد لمدة ثلاث سنوات وليس هناك حرب، إلا أن استمرار هذا الوضع نفسه غير مقبول بسبب قضية هي محلولة.. قلنا لهم: تأتي الطائرة من الخارج إلى الدمازين ، تخضع لتفتيش وتذهب للمنطقة التي يريدون الذهاب إليها.
* الأثيوبيون طرحوا حلاً وسط، ولكنكم رفضتم؟
الآلية الأفريقية رفيعة المستوى طرحت أن تأتي المساعدات من إثيوبيا.. نحن بالنسبة لنا الحقيقة قضية سيادية ولن نسمح بممارسة سيادة خارج الحدود.. أي سيادة بلد تمارس داخل حدوده إلا في السفارة فقط.. بالتالي رفضنا ذلك حتى إثيوبيا تمر الآن مساعداتها عبر السودان، فكيف تأتي المساعدات من إثيوبيا بعد مرورها بالأراضي السودانية في الوقت الذي يمكننا أن نزود مناطق الحركة بالإغاثة من الأبيض وكادوقلي.

مقالات ذات صلة

إغلاق