خارج النص

خربشات

(1)
في سنوات الصبا الباكر.. سبعينيات القرن الماضي.. والعرب يلعقون هزائمهم السياسية والعسكرية في مواجهة إسرائيل، ولبنان تمثل قلب العروبة الثقافي وتنافسها القاهرة وحدها في الكتاب والمجلة.. يحمل قطار الشرق فيما يحمل مكتبة ثقافية للقراء من الخرطوم وحتى نيالا.. يتوقف قطار الأربعاء بمحطة الدبيبات، ويأتي العسكريون في إجازاتهم السنوية، بهندامهم النظيف.. ويمشون في الأسواق في زهو وكبرياء.. بعضهم قادم من شندي وآخرون من جبيت، متوجهين لجبال النوبة، وبين النوبة والجندية عشق قديم.. والمعلمون القادمون من بربر وبحر أبيض وعطبرة والخرطوم يشكلون لوحة سريالية وقيمة مضافة للمعلمين من المنطقة على قلتهم.. كانت الدبيبات محطة كبيرة تستقبل القادمين إليها بفرح.. والكمسنجي “حسن المصري” ببشاشته وهو ينفث دخان سيجارته بعد اللواري المتوجهة إلى كادوقلي.. لقاوة الفولة.. رشاد هيبان.. والراحل “حسن عبد القادر” يفتح قلبه وبيته للعابرين من الضيوف وأبناء السبيل.. و”الأسباط أحمد تميم الدار” بابتسامته وطلاقة لسانه وحفاوته بالناس ينافس الحاج “محمد أحمد هشابة” و”الشريف عبد الرحمن” و”الشريف علي” في استقبال العابرين.. وكان الراحل “مختار حسن الأمين” يتوجه دون بقية مستقبلي القطار لعربة (الفرملة) حيث المكتبة الثقافية.. صحيفتا (الأيام) (الصحافة) اللتان تزينمها صورة القائد الملهم “جعفر نميري”.. ومكتبة القطار تأتي بالصحافة اللبنانية (السفير) ومجلات أنيقة جميلة.. (الشبكة) و(سمر) و(المستقبل).. وهي تنافس المجلات المصرية.. (أكتوبر).. و(صباح الخير).. و(روز اليوسف).. ومن بعيد تأتي الكويت بمجلة (العربي).. وقطر بمجلة (الدوحة).. والعراق البعثي بمجلته التي حظرتها السلطات السودانية لتدخلها في الشأن السياسي.. وبقية بلدان الخليج لا تقرأ ولا تطبع.. ولا يذكرها أحد.
(2)
في الأسبوع الماضي نعت لبنان فيما تنعي “دار الصياد” التي كانت تصدر مجلات (الشبكة، فيروز وسمر)، ودار الصياد تمثل واحدة من أعرق الدور الصحافية في العالم العربي غذّت شرايين الثقافة العربية بكل حاجتها طوال (67) عاماً من العمل الدؤوب.. ولكن في الأول من أكتوبر الجاري اختارت أسرة “سعيد فريحة” الصحافي والكاتب والناشر أن تضع حداً لمسيرة شاقة وتغلق نافذة ضوء باهرة.. وتطفئ شمعة كانت تضيء الساحات العربية.. وتبعث الأمل في نفوس أمة مهزومة.. وقالت “إلهام سعيد فريحة” إن أسرتها قد أثقلها الحمل.. وبات صعباً عليها الاستمرار في إدارة دار الصياد، وقالت بحسرة وألم: كان لـ”سعيد فريحة” الحظ بأبناء أكملوا مسيرته لكن الله لم ينعم علينا نحن أبناؤه بأبناء يستطيعون تكملة المشوار.. وأبناء “بسام سعيد فريحة” الثلاثة كل منهم ناجح في مجال عمله وهم بعيدون عن الصحافة، أما أبنتها فقد تسلمت مجلة (فيروز) لمدة ثم انشغلت عنها بعائلتها وأولادها.. وبعض أفراد العائلة من جيل الحرب الذي تربى خارج لبنان ولا يتحدث العربية ولا يكتبها، وهو جيل يكتب بلغات أخرى.. وقالت عبارة موجعة: ليت أبناءنا كانوا قادرين على تحمل مسؤوليات دار الصياد التي أقفلت أبوابها مثل صحيفة (السفير) العريقة والمنبر التاريخي الوطني الذي وضع القفل على الباب وطوى كتاب تاريخه ومضى.. لتدخل لبنان عصراً من الصمت.. وجدب الساحة الورقية.. وتتجه لعصر الصحافة الإلكترونية التي لا رائحة حبر تفوح منها.. ولا عشقاً حميماً بينها والقراء.. فإلى أين تتجه الصحافة في لبنان بعد أن بدأت أوراقها في الذبول والتساقط.. وحتماً قطار الحداثة (المدعاة) سيدهس الصحافة والدور المصرية ويقضي على ما تبقى من الصحافة السودانية التي تقف في محطة الوداع لتركب قطاراً لا يعود مرة أخرى من حيث انطلق.
(3)
في محطة العابرين من الأبيض للخرطوم عن طريق (بارا- جبرة الشيخ).. كانت الخيارات ما بين سيارات كورية وأخرى صينية، ولاندكروزرات عتيقة من صنع اليابان توقفت مبردات الهواء فيها وهي تقاوم الحداثة وتنافس الكوري.. الطريق من الأبيض حتى الخرطوم مروراً ببارا وجبرة الشيخ يستغرق أربعاً أو خمس ساعات.. السلطات حظرت سير الحافلات نصف النقل التي تسمى شعبياً بـ(الشريحة) و(الهايس).. وأطلقت يد سائقي التاكسي (الأصيفر) الصيني الذي يسمى (الدوام لله) لكثرة حوادثه.. وهناك سيارة (الكلك) التي يتندر عالم السائقين بأن (الكلك الراكبو هلك).. وبعض الموظفين المفصولين بنظاراتهم الطبية (يعتاشون) من الطريق بنقل المواطنين بمبالغ كبيرة (600) جنيه للمقعد من الأبيض حتى الخرطوم.. لوعورة الطريق الذي وقف عند رهد النوبة ولا تزال (50) كيلومتراً فقط تهد حيل شركة (زادنا)، وتجعل السفر عن طريق بارا مخاطرة بالأرواح والمركبات.
وكان نصيبي سيارة (كلك) سائقها يمشي الهوينى حذر الطريق.. حتى اقتربت السيارة من منطقة أندرابة الواقعة (70) كلم غرب أم درمان.. سقطت السيارة في حفرة عميقة وأخذنا نترقب من ينقذنا من حرارة الطقس وشمس أكتوبر الحارقة.. ووحشة الطريق.. طلب سائق السيارة من الركاب الأربعة العفو واعتذر بلطف.. وأخذ كل مرء يبحث عن مخرج.. طلبت من ابن أخي “أحمد حسن الرفاعي” الشهير بـ(حريق) أن يتركني ويمضي لسبيله، أمتطى ظهر أو سطح عربة لاندكروزر.. وتبعه الآخرون.. وأصبحت أترقب الشارع وحدي مع السائق الذي بعث لصاحب سحاب لنقل سيارته حيث يمكن إصلاح أعطابها.. توقفت سيارة نيسان برفق، في مقدمتها علم السلطة ولكنها سيارة من العهد القديم تمشي الهوينى.. لا مبرد هواء يرطب الجسد ولا قوة تقهر كثبان الرمال.. ترجل الشاب “أحمد عبد المجيد” معتمد محلية جبرة الشيخ.. وهو ضابط إداري له خبرة جيدة.. وتاريخ وضيء في مفاصل الحركة الإسلامية الطلابية، ينتمي جغرافياً إلى محلية أم دم حاج أحمد التي لا تذكر إلا و”النور أحمد النور” حاضر بصمته المهيب وحضوره المهني في الصحافة.
رحب “أحمد عبد المجيد” بنا في محليته التي تفوق مساحتها مساحة بلدان مثل ويلز والسويد والنرويج مجتمعة ولا يتعدى عدد سكانها نصف سكان حي الصحافة الأمدرماني حديث الميلاد.. وجبرة الشيخ من المحليات التي لن تجرؤ لجنة “حامد ممتاز” على إلغائها أو دمجها.. ربما تضاف إليها محليات أخرى، ولكن جبرة الشيخ غير قابلة للإلغاء والذوبان.. (تضاير) رفقاء المعتمد وأفسحوا مقعداً مريحاً في السيارة القديمة المتهالكة، و”أحمد هارون” يرفض شراء سيارات جديدة بأموال النفرة للمعتمدين والوزراء رغم أهمية السيارة في محليات مثل محليات السافل.. كان “أحمد عبد المجيد” في طريقه لإدارية أنداربة التي ينتظر أن تصبح منطقة استثمارية وسوقاً للإبل والضأن يغذي الخرطوم بما تجود به كردفان.. والحديث عن أندرابة وعمدتها الشاب وقياداتها من أسرة “النجامي” ذو شجون.. وموعدنا (الجمعة) القادمة إن كان في العمر بقية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق