خارج النص

تبش وجعه

من طرائف الأخبار ما ورد في صحف (الجمعة) عن محاكمة ثلاث من النسوة في محكمة الأزهري بالخرطوم بالغرامة مبلغ ثلاثمائة جنيه لكل مدانة بعد ضبطهن يمارسن بيع (التبش) الذي تعتبره سلطات المحلية مخالفاً لأوامرها التي تصدرها، وفي حالة عدم الدفع السجن ستة أشهر ، ذلك ما يحدث في محكمة الأزهري بالخرطوم ، وقبل التعليق على مثل هذه الأحكام دعنا ننقل ما جرى أمام محكمة أهلية بعيدة من الخرطوم وكيف تصرف قاضي لم يدرس القانون بالجامعات.
لكنه يتصف بالحكمة مستلهماً روح الإسلام لا نصوصه، وفي القصة التي كانت وقائعها بمحكمة الحاجز الأهلية، وهي محكمة تنعقد في الهواء الطلق وتتخذ منهجاً أقرب لمنهج أمريكي يعرف بالمحلفين، تتكون المحكمة الأهلية الطبيعية من قاضٍ وأعضاء ويُتخذ القرار بالتشاور والتوافق، وجميع أعضاء المحكمة يعملون بصفة التطوع دون رواتب أو مخصصات، ومن غرائب وعجائب محكمة الحاجز الأهلية انعقادها يوم (الجمعة) العطلة الرسمية في كل البلاد، وانعقاد المحكمة يوم (الجمعة) بسبب السوق الأسبوعي، الناس هنا يبيعون ويشترون ويأكلون ويشربون ويتقاضون ويخطبون الحسان ويطلقون كذلك، ويصلون ويجلدون. في يوم (الجمعة) الماضي وقف رجل أربعيني أمام قاضي المحكمة وعمدة البلد وتقدم بشكوى ضد امرأة، وقدم حيثيات اتهامه لها بسرقة ذاكرة هاتفه ، وأمر العمدة بتحرير طلب حضور فوري للمرأة المتهمة بسرقة ذاكرة هاتف الشاكي، ساعة واحدة وحضرت امرأة في منتصف الأربعينات تبدو على ملامحها الصرامة وتغطي وجهها بطرف ثوبها (متبلمة)، سألها العمدة عن اسمها وسكنها وفق مقتضيات المحكمة وتقاليدها ، ثم طلب من الشاكي تقديم حيثيات شكواه ، وبدأ أن الرجل قد قرر الانتقام من المرأة ومن نفسه ، فقال الرجل الشاكي للقاضي: (سيدي القاضي أنا دخلت بيت المتهمة من أجل شراب المريسة وبعد أن شربت ومعي آخرون نمت على الأرض وحينما أفقت من نومي لم أجد ذاكرة هاتفي ).
هنا أيقنت المحكمة بأن الرجل الشاكي قصد الإيقاع بالمرأة في شراك المحظور، وسألها العمدة : هل أنتِ تصنعين الخمور ؟، وتوقع الجميع أن تنفي المرأة عن نفسها التهمة الغليظة التي ترمي بها في مهالك عديدة .. أزاحت المرأة طرف الثوب عن فمها وبدلاً من الإجابة على سؤال القاضي، قالت بصوت أسمع من كان قريباً أو بعيداً: (سيدي القاضي أسألك أنت وأعضاء المحكمة الموقرة هل أفضل أن أصنع الخمرة أم أمارس البغاء ؟)، رمت المرأة بهذا السؤال المفاجئ أمام محكمة الحاجز، وصمتت في انتظار إجابة المحكمة، بعض أعضاء المحكمة اعتبروا المرأة مجاهرة بمعصيتها يتوجب جلدها وإيداعها السجن ووجم آخرون من هول ما سمعوا، ولكن القاضي وهو العمدة “مالك دراس أبوهم” رجل يتصف بالحكمة وحسن التصرف والتجربة الثرة، نظر للمرأة جيداً وطلب تأجيل الجلسة حتى (الجمعة) القادمة، ولكنه لم يتصرف بانفعال اللحظة ويصدر حكمه بمعاقبة المرأة التي اتضح له بحثها عن عقوبة تستفيد منها وتحقق مبتغاها مثل ما يفعل بعض الناشطين والناشطات في تربصهم بشرطة النظام العام لتعاقبهم ثم يستغلون العقوبة من أجل الحصول على حق اللجوء السياسي في دول الغرب.
بعيداً عن محكمة الأزهري بالخرطوم ومحكمة الحاجز الأهلية بجنوب كردفان، فإن الحكمة ضالة المؤمن ، ووجود قضاة فقهاء في الدين ورحماء بالمجتمع أهم من تطبيق النصوص الجامدة، فالنسوة اللاتي يبعن التبش في سوق الأزهري أرغمتهن ظروف المعيشة القاهرة على تجارة الأطعمة من غير حصولهن على ترخيص من السلطات، وقبل اجتياز الاشتراطات الصحية، ولكن الشيء بالشيء يذكر فإن بيع التبش في سوق الأزهري أشرف لهن من بيع أجسادهن في شقق وبيوت المدينة ، التي يزعمون أنها طاهرة ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق