خارج النص

نعي مستحق

كان العام 2018م، الذي طوى ساعاته الأخيرة وأيامه الصعبة قد رحل وتناقص من أعمارنا (12) شهراً.. وفي غفلة منا فرحنا ونفرح بتناقص أعمارنا.. الأفراح في عام 2018م، كانت لحظات عابرة.. والأحزان مقيمة في النفوس والبيوت منكسرة.. والوجوه عابسة عليها غبرة.. عام من الهم والغم.. والدموع والخوف.. والجوع والحرمان الذي غطى كل مساحات بلادنا.. في مثل ليلة أمس كانت البيوت تضيء الشرفات.. والأطفال يتقافزون في الشوارع فرحاً.. والأسر تخرج مطمئنة للحدائق العامة تلبس الجديد من الثياب.. ويغني “فرفور” في خيمة.. و”هدى عربي” في صالة.. و”أحمد الصادق” في فندق.. ويختار الشباب ما بين هذا وذاك.. يستقبلون العام الجديد بالأفراح.. وجماعات تصدر فتاوى بحرمة الاحتفالات، ولكن وسطية التيار الإسلامي الحاكم تقف ما بين الإطلاق والقبض.. والشرطة تنشر جنودها في الساحات لحفظ الأمن.. وشارع النيل وما أدراك ما شارع النيل.. الزحام.. الأنوار.. الأعلام في البيوت.. الأغاني المخملية.. فكيف كانت ليلة أمس آخر ساعات العام الذي مضى؟؟ هل غنى المغنون بفرح؟؟ أم جفت المسارح.. وتصحرت المشاعر.. وانشغل الناس بالبحث عن أموالهم المحرومين منها بغير حق، وأمنيات الأطفال في البيوت المسكونة بالخوف أن يعود رب الأسرة وبيده اليمنى (كيس رغيف) وبيده اليسرى كيلو موز في آخر شهر، إن تيسر له صراف وقف خمس ساعات وظفر أخيراً براتبه.
تهاني العام الجديد أضحت ترفاً في وسائل الإعلام والساسة في بلادنا.. أما معارضة تركب ظهر المواطنين المحتجين على سوء الحال.. ونقص الخبز.. وهي تمني نفسها بركوب السلطة.. وإزاحة النظام بأي ثمن.. وأفدح خسائر وتضمر في نفسها الانتقام.. وتتوعد بالتصفية من مستوى الوجود إلى مستوى الفعل.. وهناك حكومة لا يشعر وزراؤها بثقل وطأة المعيشة.. لأن من ينام في قصر منيف لا يشعر بأنين جائع يقطن بيتاً من الكرتون والخيش.. بل يتمنى لو خسف الله بهؤلاء الجوعى وبقى المترفون في المدينة.. مع أن الترف لن يصبح ترفاً إلا في وجود المعسرين.
رحل عام 2018م، بكل أحزانه.. وكثيرون يتساءلون هل العام الذي مضى أشد وطأة على أهل هذه البلاد من سنة ستة.. في عهد المهدية حينما أكل الناس أوراق الشجر؟؟ وما وجه المقارنة بين عام الجفاف والتصحر في ثمانيات القرن الماضي حينما دفعت المجاعة نصف سكان الشرق والغرب للخرطوم قسراً، ولكنهم في مستقرهم بأطراف المدينة لم يقفوا في (طوابير) للحصول على (الرغيف)؟
ما بين تلك الأعوام المحفوظة في سجلات وعام 2018م، الذي رحل وبقيت أثاره.. وذكرياته.. عالقة في كل نفسٍ تتوق للخبز والماء.. والحرية والتعليم والصحة.. وبعد ذلك حق اختيار من يحكمها.. تشرق شمس يناير 2019م.. شراع سفينة بلادنا يدفعها الأمل لانقشاع كل الأزمات.. تبدأ الآمال بقرع أجراس المدارس.. واستئناف الدراسة بالجامعات.. وانسحاب القوات النظامية إلى ثكناتها من الميادين العامة.. وتنفرج أزمات الخبز والسيولة.. ويشعر المرء أنه كريم في بلاده عزيز في نفسه مطمئن لمستقبل فلذات أكباده.. ربنا ألطف بشعبنا ووحد صفنا.. وأحفظ دمنا وكرامتنا.. وجنبنا مصير دمشق وصنعاء وطرابلس ومقديشو.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق