تقارير

مشاجرة نائبات .. العاصفة التي هزت قبة البرلمان..

ذاكرة مجلس الشعب حافلة بالمشاجرات

تقرير: رشان أوشي
شرعت النائبة “إشراقة سيد محمود” في تقديم شكوى، ضد نائبات من حزب المؤتمر الوطني، تعرضن لها في باحة البرلمان، الأمر الذي دفعها للاستنجاد وطلب الغوث منهن .
لم تكن المشاجرة التي نشبت بين النائبة بالمجلس الوطني عن الحزب الاتحادي الديمقراطي “المسجل”، “إشراقة سيد محمود” رئيس تيار الإصلاح والتغيير بالحزب، وثلاث نائبات عن حزب المؤتمر الوطني تحت القبة هي الحادثة الأولى من نوعها، فقد شهدت قبة المجلس الوطني في السودان أحداثاً مشابهة وربما أكثر حدة على مر تاريخ العمل النيابي في البلاد منذ الاستقلال، فلم تتجاوز ذاكرة السياسة المشاجرة الشهيرة التي تحولت إلى اشتباك بين النائبة عن كتلة التجمع الوطني الديمقراطي، الراحلة “فاطمة أحمد إبراهيم”، والنائب عن المؤتمر الوطني، والجنرال المايوي الأشهر اللواء (م) “أبو القاسم محمد إبراهيم” بعد توقيع اتفاق القاهرة للسلام، وعودة التجمع الوطني الديمقراطي لممارسة نشاطه السياسي بالداخل، وسبقتها في ستينيات القرن الماضي حادثة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية بعد مشادات كلامية عنيفة في برلمان العام 1965، حادثة كان لها ما بعدها في تاريخ العمل السياسي .
معركة:
قبل أسبوعين، أثناء مناقشة إفادات وزير الداخلية د.”أحمد بلال عثمان”، لبيان وزارة الداخلية حول الاحتجاجات التي انتظمت الشارع السوداني في بعض المدن، منذ 19 /ديسمبر الماضي، والذي يمثل يوم إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان، نشبت مشادة كلامية بين النائبة “إشراقة سيد محمود” والنائب المستقل “مبارك النور” من جهة، ورئيس البرلمان أ.د.”إبراهيم أحمد عمر” من جهة أخرى، عندما طلبا نقطة نظام لاستجواب الوزير حول تعامل الشرطة مع الاحتجاجات، رفض رئيس المجلس طلبها ووجهها بالجلوس، وقالت “إشراقة” في تصريح صحفي عقب الجلسة، إنها اصرت على ضرورة طلب الحديث في البرلمان لجهة أنها تمثل دائرة عطبرة التي شهدت انطلاقة شرارة الاحتجاجات، في الأثناء احتد عدد من عضوات حزب المؤتمر الوطني وتشاجرن لفظياً مع “إشراقة” عقب انتهاء الجلسة .
أعادت حادثة “إشراقة” إلى الأذهان مشاجرة النائبة “فاطمة أحمد إبراهيم” والنائب “أبو القاسم محمد إبراهيم”، والتي أوشكت على التحول لاشتباك بالأيدي لولا تدخل الناطق الرسمي باسم كتلة التجمع “سليمان حامد” وإبعاده “لفاطمة” خارج القاعة بعد اقتحامها لموقع “أبو القاسم” في القاعة ووصفها له (بالقاتل والسفاح)، وتطورت الأحداث بشكل درامي بعد هتاف بعض منسوبي المؤتمر الوطني ضد الحزب الشيوعي، وتعالت الأصوات وحدث هرج ومرج وتبادل للاتهامات بين منتسبي كتلتي التجمع والمؤتمر الوطني تحت القبة، وفيما تقدم عضو كتلة المؤتمر الوطني “عبد الحميد موسى كاشا” بمقترح لتجميد عضوية “فاطمة” بالبرلمان اعتبر رئيس كتلة التجمع أن ما حدث سلوك فردي ولا يعبر عن الكتلة، وما إن فرغ نائب رئيس لجنة الإعلام والمعلومات من تلاوة تقرير لجنته حول )المعاملات الإلكترونية) في جلسة المجلس، حتى طالبت “فاطمة” من رئيس الجلسة “أتيم قرنق” نقطة نظام، فأوضح رئيس الجلسة (أنه ليس هناك ما يستدعي نقطة نظام في الجلسة)، لكنها تمسَّكت بمطلبها: (لو ما اديتني فرصة حاموت في الجلسة دي)، وبحركة غير متوقعة توجهت من مقعدها بالجانب الأيسر لرئيس المجلس عبوراً نحو الجانب الأيمن لتتوجه إلى مقعد “أبو القاسم”، وعمدت على إزاحة المايكرفون من أمامه وضربت الطاولة، ووجهت إساءات شديدة “لأبو القاسم” ووصفته بالسفاح الذي اغتال زوجها الشفيع “أحمد الشيخ” أوائل سبعينيات القرن الماضي، إبان حكم الرئيس الراحل “جعفر النميري”، وإن يدي “أبو القاسم” ملطخة بالدماء، وجدت الحادثة حيزا كبيرا من الاهتمام الإعلامي باعتبارها غريبة على ماهية العمل البرلماني في العالم.
العاصفة التي هزت القبة :
في 15/نوفمبر/ 1956م بدأت سلسلة الإجراءات العجولة، لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، عقابا لإفادات أدلى بها طالبا في معهد المعلمين خلال مداخلته في ندوة للاتجاه الإسلامي كان موضوعها (البغاء)، هاجم الطالب فيها بيت رسول الله (ص)، معرفا نفسه بأنه ماركسي، عندها خرجت المساجد في تظاهرات إلى بيت رئيس الوزراء “الأزهري”، تم بعدها طرد الشيوعيين من الجمعية التأسيسية.
جلسة تلاوة القرار كانت عاصفة هوجاء، حيث تحدث النائب عن الجبهة الإسلامية د.”حسن الترابي” قائلا: (ليس حديث “شوقي” هو السبب الذي به يطالبون حل الحزب الشيوعي وضرب مثلآ بالرصاصة التي صرعت “القرشي” في 21 /أكتوبر والتي أدت إلى ثورة ضد الحكم العسكري، فالثورة التي اندلعت لم تكن من أجل الانتقام للقتيل، ولذلك فإن حديث طالب المعهد كان الشرارة التي أخرجت الناس للمطالبة بحل الحزب الشيوعي)، أعقبه الهجوم “حسن بابكر الحاج” النائب عن الوطني الاتحادي الذي قال: (هناك طالبا سفيها يقال إنه أساء للرسول الكريم والدين الإسلامي فقامت مظاهرات أمها المسلمون تطالب بحل الحزب الشيوعي، فالنفترض أن أحد أعضاء الحزب الوطني الاتحادي تفوه بمثل ما تفوه به الطالب السفيه فماذا يكون موقف الوطني الاتحادي؟)، رد عليهم النائب الشيوعي عن دوائر الخريجين “محمد إبراهيم نقد” قائلا: (فقال إن الحديث عن الأخلاق يكثر في هذا المجلس وذلك كلما واجه المجلس أزمة حقيقية تجاه حل القضايا الكبرى، وقد يكون الحديث عن الأخلاق ذا قيمة وينبغي المحافظة عليه، ولكن التحدث عن الأخلاق عند بروز الأزمات يوضح أين تكمن الأخلاق الجريحة، ثم قال إن تصريحات الدكتور “الترابي” متضاربة، ومن المهم أن يواجه الإنسان خصما سياسيا له رأي واضح، أما التذبذب والتلون في المبادئي والأخلاق فلا أجد نفسي في حاجة للرد عليه، وأشار إلى أن النظريات الاجتماعية لا توضع للمناقشة هكذا في البرلمانات فهي لها مجال آخر، ولذلك فإن مناقشة النظرية الماركسية بهذا الأسلوب تطاول ما بعده تطاول).
حالة نفسية:
يعتبر المحلل السياسي، والباحث الأكاديمي “النور آدم”، في حديثه لـ(المجهر السياسي)، أن آليات العمل السياسي في السودان مرتبطة إلى حد كبير بأمزجة السياسيين، حيث يكون أطراف العملية السياسية على علم بوجود الاختلافات في المواقف المستقبليّة المحتملة ويضطر أحد الأطراف إلى تبّني واتخاذ مواقف لا تتوافق مع مصالح الطرف الآخر، نظراً لاختلاف الأفكار السياسية، ويتأثر حجم الصراع بحجم أهدافه، فكلّما كان الهدف كبيراً كان الصراع أكبر، كما تتحكّم الإمكانيات والموارد المتاحة للأطراف في مدّة الصراع واتجاهه)، وأضاف “النور” لذلك تجد سيرة العمل البرلماني في البلاد مزدحمة بالمشاجرات التي لا تليق بنواب الشعب، ولكن لأنهم يستصحبون معهم صراعاتهم السياسية حتى وهم يتحدثون باسم الشعب.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق