خارج النص

الطريق الأول

الرهان على إسقاط النظام عبر فوهة البندقية لم يحقق لحاملي السلاح أهدافهم ولا للمنتظرين في الرصيف الذين يمنون الأنفس الأماني الصعبة، والرهان على تحريض القوات المسلحة للانقضاض على الحكم والانقلاب على الشرعية لم تصغ إليه القوات المسلحة التي تعرف جيداً من هم المحرضون وما هي أهدافهم، والقوات المسلحة حسمت أمرها وخيارها بالوقوف مع “البشير” القائد الأعلى وحامي حماها ، وبايعت وأيدت إعادة ترشيح “البشير” حينما أصبح الأمر مابين التجديد والإبقاء على القديم، وكان لموقف الجيش والشرطة والأمن الأثر الكبير على وحدة الرأي العام الشعبي، بإعادة الترشيح ، والتي أثارت غضب المعارضة، وخروج المعارضة للشارع اليوم لا بسبب الغلاء وشح الوقود والخبز، ولكنه خروج من أجل إسقاط النظام إما بتكبيده خسائر فادحة في المال تجعله غير قادر على الوفاء باستحقاقات المواطنين من رواتب وتنمية، وأما بدفع الجيش للاستيلاء على السلطة، وفي كلا الحالتين تتحقق بعض أهداف المعارضة التي وجدت الأسبوع الماضي نفسها أمام واقع جديد بخروج الشارع الداعم “للبشير” بقوة ، وشكلت مسيرة (الأربعاء) الماضي حدثاً مهماً في سياق قراءة المشهد السياسي العام .
لم يعد أمام المعارضة خيار غير الرهان على صناديق الانتخابات التي اقتربت أيامها ولم يتبق إلا عام واحد، والرهان على الانتخابات القادمة يمثل الخيار الأمثل والأكثر ضماناً لاستقرار البلاد، فالمعارضة التي تطالب بعدم التجديد “للبشير” تخطئ التقدير في حق نفسها، فإذا كانت تعتقد بأن “البشير” قد فقد مبررات وجوده في الحكم وفقد رصيده في بنك الجماهير، فالأفضل للمعارضة أن يترشح “البشير” مرة أخرى ، وتقدم هي البديل المناسب لإسقاطه بدلاً من منازلة مرشح جديد للمؤتمر الوطني ، ولكن المعارضة تختار المكان الخطأ وترسب في امتحانات الحسابات السياسية، والطاقة التي أهدرتها في الاحتجاجات الأخيرة لو وفرتها للمعركة الانتخابية لحققت مكاسب كبيرة، ولأصبح حزب مثل المؤتمر السوداني ، الوارث لليسار بكل تياراته، حزباً له وجود في البرلمان، وربما أصبح واحداً من أركان معادلة الحكومة القادمة ، وحزب مثل الأمة القومي يستطيع منافسة المؤتمر الوطني وينتزع منه بعض الدوائر بعرق جبينه وخدمة ضراعه وفرض رؤيته من داخل البرلمان، فلماذا يختار حزب الأمة الوقوف في المكان الخاطئ؟
إذا كان “أبوالقاسم برطم” قد فاز في دائرة دنقلا الجغرافية وأسقط “بلال عثمان” علناً، ودائرة دنقلا تعتبر من مناطق نفوذ الإسلاميين التقليدية، وفي انتخابات 1986 نجحت الجبهة الإسلامية في الفوز بثلاثة مقاعد: المرحوم “عبد الوهاب عثمان بادي أبوشلوخ” ، وفاز “حسن ساتي”، والراحل “أحمد علي الإمام”، ودنقلا هي مسقط رأس الشهيد “الزبير” والدكتور “مصطفى عثمان” والفريق “بكري حسن صالح” وقيادات بعدد الحصى في المؤتمر الوطني، ورغم ذلك فاز “برطم” بمساندة الغاضبين من الوطني ( والزعلانين)، وحتى في القضارف خسر الوطني أمام “مبارك النور”، فلماذا تخاف المعارضة خوض الانتخابات وغمارها وتلجأ إلى الحلول الصعبة والخيارات العدمية التي لا تحقق لها إلا مزيداً من الخسائر؟.
يقول البعض إن الوطني بمقدوره تزوير الانتخابات وهي حجة ميتة وإلا كيف فاز المستقلون في الانتخابات الماضية ؟، وقانون الانتخابات يتيح للأحزاب حراسة ومراقبة صناديق الاقتراع حتى فرزها، وهل الأحزاب لا تملك شباباً يستطيعون حراسة صناديقهم لمدة عشرة أيام دع عنك الأيام الثلاثة التي حددها القانون الأخير ؟
ولو زور المؤتمر الوطني الانتخابات وتلاعب في الصناديق، فإنه يوفر بذلك سبباً مقنعاً لإسقاطه وخروج الشارع عليه بصورة لا يستطيع معها كبح جماح المحتجين على تزوير إرادة الناس، وستجد حينها ثورة الغاضبين الدعم الذي تستحقه من المجتمع الدولي والإقليمي .
لكن المعارضة تريد المركب الصعب، ولا تثق في نفسها وبعض من مكوناتها تعلم أن حظها من الرصيد الشعبي لجد قليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق