حوارات

(المجهر) في حوار مع الدكتور “عمر سليمان” رئيس مجلس الولايات حول الوضع السياسي الراهن

لا توجد انتخابات في 2020 في ظل الظروف الحالية

الشعارات المرفوعة في التظاهرات من قبل الحزب الشيوعي سببها الخصومة التاريخية مع الحركة الإسلامية
الحكم اللامركزي حقق لأهل الولايات مكاسب جعلتهم غير مهتمين بما يجري في الخرطوم
على الحكومة القادمة الإبقاء على الثقافات الغذائية القديمة مع عدم إجبار المواطنين على ثقافة الرغيف

حوار : صلاح حبيب

ألقت الأحداث الأخيرة من تظاهرات واحتجاجات بظلالها على مجمل الأوضاع بالبلاد، ولم يعرف كيف المخرج من هذا المأزق الاقتصادي الذي تحول إلى سياسي..
(المجهر) أجرت حواراً مطولاً مع الدكتور “عمر سليمان” رئيس مجلس الولايات، حول الوضع الراهن وكيف يمكن الخروج منه وما هي الأسباب التي دفعت المحتجين إلى تحويل المطلب الاقتصادي إلى سياسي ومن هم أولئك الذين يقفون من وراء تلك الاحتجاجات فنترك القارئ يتابع ردود دكتور “عمر” حول ما طرحنا عليه من أسئلة فسألناه في البداية..
*كيف تقيم ما يجري على الساحة السياسية الآن؟
ما يجري الآن هل هو حالة عرضية أم خطط لها مسبقا؟ ولكن قبل الخوض في التفاصيل كانت البداية هي المفاجأة فالمفاجأة أعطت الانطباع أنها عفوية.
*هل مفاجأة رئيس الجمهورية أم التظاهرات؟
مفاجأة التحرك ولكنها في ظني أن الظروف الموضوعية لها كانت موجودة، ولكن حدثت التحركات ابتداءً من عطبرة ثم انتقلت إلى الخرطوم وكانت المسببات التي دفعت إلى ذلك هي نقص الطعام ونقص الوقود وشح النقود، ولكن التظاهرات لم تطالب بتوفير المتطلبات الثلاثة ولكنها طالبت بتغيير النظام.
*ما هو السبب الذي جعلها تغير من موقفها المطلبي الحياتي إلى التغيير؟
هذا سؤال مهم جداً لابد من البحث عنه، ولكن المطالبة بالتغيير لم تكن المطالبة المعقودة، فواضح أن التفسير الذي أعطى ذلك كان مستمداً من الشعارات (تسقط بس.. الكوز ندوسو دوس) وهذا اتجه إلى أن تلك الشعارات شعارات الشيوعيين.
*لماذا حددت بأنها شعارات شيوعيين؟
للخصومة الطويلة بين الشيوعيين والإسلاميين وحل الحزب الشيوعي وإبعادهم من البرلمان ومحاصرتهم بجامعة الخرطوم، وانتزاع الجامعة من أيديهم وإبعادهم من الساحة السياسية لفترة طويلة، وهذه هي ثأرات الحزب الشيوعي على الحركة الإسلامية.
*لماذا جاء التحرك في هذا الوقت رغم أن الإنقاذ حكمت ما يقارب ثلاثين عاماً دون أن يكون هناك تحرك بالذي نراه ولماذا بدأ التحرك من عطبرة؟
عطبرة مدينة عمالية صغيرة ومحدودة الدخل، وعطبرة هي السكة الحديد، ولكنها تراجعت أخيراً فالسياسات التي انتهجتها الإنقاذ في الفترة الماضية وإذا عدنا إلى الوراء قبل الإنقاذ، هؤلاء المتحركون في الشارع من الشباب لم يعلموا ماذا كان قبلها فقبلها لم تكن هناك دولة لم يكن هناك وجود لا شيء فكل شيء كان معدوماً ففي العام 1988 الجيش السوداني لجأ إلى كينيا ويوغندا وإلى زائير، فخروج الجيش السوداني إلى تلك الدول وهو يعد صمام الأمان إليها فخروجه ماذا يعني؟ يعني سقوط تلك الدولة وما كان بين حركة التمرد واستيلائها على الخرطوم إلا ساعات هذا جانب، ففي عام 1984 حدثت المجاعة والكوارث الطبيعية فلم يتوفر قوت الناس ومازلنا نستحضر (عيوش ريغان) التي جاءت من أمريكا فحينما نقارن ذلك مع الوضع الآن نجد فرقا كبيرا جدا، والآن إذا حدثت كوارث خلال عام أو عامين أو ثلاثة فالغذاء موجود داخل السودان، فالسياسات التي وضعت في ظل الإنقاذ جعلت هناك منتج وهناك مخزون إستراتيجي ولكن النقطة الأضعف الآن محاولة تغيير ثقافة الناس الغذائية من طعام ينتج داخلياً إلى طعام آخر ينتج في مكان آخر فأهل السودان كانوا يأكلون القمح في الشمالية وما يُسمى بالصعيد الجزيرة، سنار، القضارف، النيل الأزرق والنيل الأبيض، فهؤلاء كان طعامهم الذرة وغرب السودان ودارفور كان طعامهم الدخن، ومازالت أطراف المدن تتغذى من هذا المنتج الداخلي.
*ولكن لماذا انطلقت الاحتجاجات من عطبرة؟
لأن المظاهرات حينما خرجت من عطبرة كانت هناك أزمة تمثلت في انعدام الرغيف.
*لكن هل ربطت عطبرة باعتبارها منطقة تجمع للشيوعيين؟
لا اعتقد ذلك ولا أدري هل مازال الشيوعيون في عطبرة محتفظين بخلاياهم هناك أم هو النفس الروحي، فخلايا الشيوعيين كانوا في نقابة السكة الحديد، ولكن بعد أن زالت النقابة، لا اعتقد أن هناك خلايا لهم هناك، ولكن الاحتجاجات التي قامت في عطبرة كان احتجاجا موضوعيا لقضية محسوسة.. ولكن الاحتجاج حينما انتقل إلى الخرطوم انتقل إلى احتجاج سياسي طالب بالتغيير.
*ولكن أصابع الاتهام أيضا وجهت إلى الحزب الشيوعي؟
وجه الاتهام إلى الحزب الشيوعي بسبب الهتافات، فالهتافات الصارخة للإسلاميين عند الشيوعيين وليس عند التنظيمات الأخرى فتلك التنظيمات ليس لها عداء صارخ مع الإسلاميين، وكلها تنطلق من منطلقات إسلامية فمثلاً (الكوز ندوسو دوس) هذه شعارات عدائية للشيوعيين للإسلاميين، ولذلك الشباب الذي تحرك الآن لم ينظروا إلى ما حققته الإنقاذ خلال تلك الفترة فالوفرة الموجودة من الطعام الآن أكبر مما كانت عليه فترة السبعينيات أو الثمانينيات فالمستوى العام الذي حدث في السودان الآن لم يكن موجوداً مستوى الخدمات التي توفرت الآن لم تتوفر في حكومات سابقة ويمكنك أن تتحرك لترى بأم عينك ما حدث في الأطراف المنسية بالولايات، فتجد فيها خدمات التعليم والمياه والصحة بل هناك زيادة من المطالبات بزيادتها وهي لم توفرها أي حكومة سابقة، والآن هناك وعي كامل في الولايات من المواطنين الذين يطالبون بحقوقهم، وهذا لم يكن موجودا في السابق، وإذا نظرنا إلى المظاهرات نجدها محصورة في الخرطوم، فلماذا لم تتظاهر الولايات، ولماذا خرجت كادقلي عن بكرة أبيها لاستقبال رئيس الجمهورية، في الوقت الذي أرسلت فيه حركة التمرد جناح “عبد العزيز الحلو” صوراً لدبابات ولمدافع الهاون والعربات المجنزرة في إشارة إلى أنهم في حالة استقبالهم لـ”البشير” سوف تطلق عليهم النيران من تلك الأسلحة ونحن أقرب إليكم، ورغما عن ذلك خرج الأطفال والنساء والرجال رغم هذا التحذير، فهناك حقيقة لابد أن يدركها أهل العمل السياسي بأن الخدمات التي أتتهم من خلال مشاركتهم في السُلطة عبر نظام الحُكم الفيدرالي وهذه واحدة من المكاسب التي تجعل هناك مفارقة في النظر للمعالجات السياسية فإن أهملت هذه النقطة سنفقد أجزاء واسعة من السودان، فالمواطنون سيدافعون عن هذه الحقوق وهذه المكتسبات ولن يتنازلوا عنها لأنها حققت لهم مكاسب تمثلت في دخول المدرسة وتناول الماء الصحي كما فتحت لهم فرصة المشاركة في السُلطة، والسُلطة في وقت سابق كانت محصورة في مكان ضيق وهذا المكان لم يدرك مشاكل تلك المناطق، واضرب لك مثلا هناك منطقة تسمى جبل دود وجبل موية بين سنار وكوستي وهذه المنطقة ظلت تعاني من مياه الشرب ما قبل الاستقلال وإلى ما بعد ذلك وخلال فترة الصيف يرحل أهلها عنها وتظل القرية فقط تحت حراسة العُمدة.
*ومن أين يشرب العُمدة؟
هناك جمال تذهب إلى منطقة الدالي والمزموم للحصول على المياه خلال يومين، فأهل الخرطوم لم يعرفوا من أين سكان تلك المنطقة، ولكن حينما جاءت حكومات محلية فيدرالية أقامت لهم محطة مياه من سنار والآن هم ينعمون بالمياه كما ينعم بها أهل الخرطوم، لذلك أصبح الحكم اللامركزي مكسبا لأهل تلك المناطق، وهم الآن غير منشغلين بما يحدث بالخرطوم من تظاهرات أو احتجاجات غير مصالحهم وهم يدافعون عنها.
*إذن لماذا حدثت تلك المشاكل بعد ثلاثين عاماً وكأنما الإنقاذ بدأت من جديد؟
الوضع الآن يختلف عن 89 ففي ذاك الوقت لم يكن هناك صابون ولا سكر ولا شاي، تنظيف الملابس كان عبر لحاء الأشجار، فالوضع الآن يختلف تماما ولم تسقط كل الإنجازات التي حققتها الإنقاذ، ولكن حاجة الإنسان في زيادة فلم يقابلها إنتاج وهناك زيادة مضطردة والإنقاذ بها مشاكل.
*هل الفساد واحد من تلك المشاكل؟
لا اعتقد ذلك، فالفساد إذا تتبعته حقيقة تجده ضعيفا جدا وإذا نظرت إلى كل تلك العمارات الشاهقة بالخرطوم، هل كل أصحابها وزراء وهل كلهم سياسيين فهذا غير حقيقي وهذا ادعاء سياسي قد تكون هناك بعض المفاسد وهذا شيء طبيعي لأنه ما في مجتمع مطلق عفيف ولا مجتمع مطلق نزيه فكم نسبة الفساد الآن؟ ولم يدخل المراجع العام طوال تاريخ الحكومات السودانية السابقة البرلمان إلا في ظل الإنقاذ
هل في تلك الفترات لم يكن هناك فساد؟
كان موجوداً ولكن مدسوساً .. فالآن يحمد للإنقاذ أنها فتحت الحديث عن الفساد للرأي العام
ولكن لم يقدم أي شخص للمحاكمة؟
لكن تقارير المراجع العام وطبيعة المخالفات المالية تحويل بند لبند أو تصرف في عملية الشراء والتعاقد فالفساد الذي نتحدث عنه فساد شخص أخذ مال الآخر وادخله في جيبه ولكن تقرير المراجع العام يتحدث عن تقارير إدارية والمخالفات الإدارية معالجاتها إدارية وليست جنائية ونحن مازلنا مجتمع هش ومجتمع تقليدي وليست له قابلية للابتكار سنظل في تصارع حتى مناهجنا الدراسية لم تتطور ولم يجر عليها التحديث وما زلنا ندرس التاريخ القديم والجغرافيا القديمة في حين نحن في حاجة إلى التحديث فيهما الاثنين. ورغم أننا أقمنا نظام حكم فيدرالي ثلاثين عاما ولكن لم يوجد في مناهجنا الدراسية ولا حتى طلبتنا يعرفون عواصم ومدن تلك الولايات.
فالعيب في منو؟
فينا كلنا فالحكومة مسؤولة والمجتمع مسؤول.
*نعود مرة أخرى إلى المشكلة وكيف حلها؟
مطلوب من الحكومة خلال الفترة المقبلة أن تعمل على حل الثلاثة مشاكل الأساسية الخبز والوقود والنقود ويجب ألا تلقى الثقافات الغذائية الموجودة بالبلاد ثقافة الغذاء على (الدخن والفتريتة والقمح) ويجب ألا يجبر الإنسان على نوع واحد من الطعام (الرغيف) لذا يجب أن تعتمد الحكومة على المنتج المحلي الموجود ثم من أراد أن يستمتع بأي طعام آخر فهو حر إضافة إلى معالجة مشكلتي الوقود والنقود.
*إذا ما هو شكل الحكم المراد؟
يجب أن يوجد رئيس ومن ثم يتم الاتفاق على مشترك قومي وهذا المشترك يحدد الدستور.
*وهل يمكن في تلك الظروف قيام الانتخابات؟
إن انتخابات 2020 أصبح لا وجود لها في هذه الظروف التي نعيشها وسنظل بالدستور الموجود ولكن التمثيل الموجود الآن في الهيئة التشريعية الناتج عن الحوار يمكن أن يقيم الدستور للفترة القادمة ثانيا يجب تشكيل الحكومات الولائية لأن العبء الإداري والتنفيذي والسياسي والأمني لا يعمل من الخرطوم فمهما كانت كفاءة الذين يأتون من الخرطوم وعلى الحكومة المركزية أن تنصرف إلى مهامها الأساسية في عمليات التخطيط ووضع الإستراتيجيات والعمل على تحقيق السلام.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق