أخبار

الشهداء يعودون هذا الأسبوع !

يتراءى للشيخ “عابد” في منامه أن ابنه الشهيد “مصطفى” والشهداء الذين معه سيعودون.. الفكرة تهيمن عليه، وتتحول إلى هاجس مرعب مثلما هو مفرح.. يبدأ الشيخ “عابد” في كشف رؤيته لمن حوله.. الجميع يسمع منه أن الشهداء سيعودون هذا الأسبوع.. إلا أن الشيخ “عابد” لا يجد من يتحمس للرؤية.. بل يستشعر “ذعراً” في عيونهم من هذه العودة المباغتة !
يستوقف الشيخ “عابد” كل من يصادفه في بلدته.. يقول له في ما يشبه الامتحان: “ماذا أنت فاعل لو عاد ابنك الشهيد..أبوك الشهيد.. أخوك الشهيد.. زوجك الشهيد.. صديقك الشهيد”..؟! وفي كل مرة يجد الشيخ “عابد” عدم تصديق مشفوعاً بالرثاء لحاله الذي وصل إليه، بعد أن استشهد ابنه “مصطفى” الذي كان زينة شباب بلدته وظهْرَ الشيخ “عابد” الذي يتكئ عليه !
البعض ممن حملوا كلام “العابد” محمل الجد ردوا عليه بجدية أيضاً، ومن هذا البعض “مسجل المواليد والوفيات” الذي يؤكد له أنه لو عاد الشهداء فلابد من شطب أسمائهم من سجل الأموات وإعادة قيدهم في سجل الأحياء، وهذا سيستغرق وقتاً طويلاً.. ولا يخفي آخرون مخاوفهم للشيخ “عابد” حيث يقولون له إن عودة الشهداء ستُحدث “ربكة” كبيره في حياتهم، وأول من سيدفع ثمن ذلك هم الذين يتقاضون”منحة” مالية نظير استشهاد أقربائهم.. كيف سيعيش هؤلاء لو عاد الشهداء؟! وماذا ستفعل زوجات الشهداء اللاتي تزوجن وأنجبن من بعد غياب أزواجهن الشهداء؟!
يصمت الشيخ “عابد” مستعجباً إزاء هذه العاصفة من الاستنكار والاحتجاج لعودة الشهداء لكن “ثورة الخوف” تتغلغل في نفوس من يهابون هذه العودة المفاجئة، وفي مقدمتهم الذين تسلقوا على ظهور الشهداء، وورثوا أمجادهم وبطولاتهم، وحولوها إلى تركة مباحة لمن يجيد اصطياد الفرص، واللعب على الحقائق التي لا يعرف أسرارها إلا من استشهدوا!!
كثيرون هم الذين سيتضررون من عودة الشهداء..منهم من ولوا الأدبار في ساحة المعركة واختاروا “الخيانة” حفاظاً على أرواحهم.. لو عاد الشهداء سيشهدون على خيانتهم وينفضح أمرهم .. ومنهم من نال أرفع الأوسمة وتولى أعلى المناصب، رغم أنه لم يحمل البندقية في وجه عدو أو يخوض غمار الموت !! لو عاد الشهداء، حتى الأرض ستخجل من ابتلاع أمثال أولئك الخونة !!
إنها خلاصة قصة ” الشهداء يعودون هذا الأسبوع ” للقاص والروائي الجزائري الراحل “الطاهر وطار” التي صدرت عن سلسلة “كتاب في جريدة” ضمن مجموعة أخرى من القصص لتكشف تلك القدرة الهائلة لأديب مثل “الطاهر وطار” في معالجته لأمور لا تخطر على البال رغم أنها تتمسرح على أرض الواقع، ورغم أن رائحتها تكاد تزكم الأنوف..إنها رؤية “موضوعية” أكثر من كونها “فنتازية” لاجتراح الراهن الاجتماعي والسياسي في الجزائر التي استشهد لأجل استقلالها مليون شهيد، وبعد كل ذلك ظلت الجزائر تشهد إعصاراً متواصلاً من “الفتنة” وحمامات الدم، دونما مبررات أو مسوغات يمكن أن يقبلها عقل، وكأنما هذا الاستقلال الوطني جاء محض صدفة، ودون إراقة دم شهيد واحد.
“الطاهر وطار” المفجوع بالمحنة الجزائرية يحاول من خلال “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” الرد على “المخربين” و”العابثين” بطريقته الخاصة فيزف بينهم بشرى عودة الشهداء، كي يفيقوا من إدمان إراقة الدماء، ونشر الذعر بين الأحياء .. فالمواجهة بينهم وبين الشهداء قد تشعرهم بشيء من الخجل، وتجعلهم أكثر إحساساً بقيمة ذلك الاستشهاد الذي تحول إلى مكاسب رخيصة وأطماع دنيوية لا تنتهي!.
.. حقاً ماذا سيفعل هؤلاء لو عاد الشهداء؟!

مقالات ذات صلة