أخبار

في رمالنا هلال

{ في سوق (ود عكيفة) حيث تفترش النسوة الأرض ويعرضن بضاعتهن من (فول ولوبيا وكول ودكوة وطماطم البان جديد).. وفي فريق (أبو خمسة).. وسوق (أبو جهل) الذي قاوم التغيير الحضاري وبقي على حاله ولم يخلد اسم “ابن مسعود”، ارتسمت في الوجوه العابسة ابتسامة الرضا والأمل.. وفي يوم (الجمعة) يحتشد المئات من هواة لعبة (ضالة) تحت ظلال الأشجار الوارفة بسوق (أبو شرا).. منهم الأمباشي “حماد “الذي تقاعد عن الخدمة العسكرية لكنه لا يزال يحتفظ بكل سمات الجندية ومنسوبي الفرقة الخامسة من قوات الهجانة.. والصول “عطرون” الذي تقاعد عن الخدمة في الشرطة وكاتب الدونكي “أحمد أبو فلجة”.. وفني الآبار السابق “هاشم ود الزندية”.. و”حليمة” (ست الشاي) التي تحفظ أسرار المكان وتستر عورات الرجال.. كل هؤلاء من ملح الأرض ومساميرها.. والبسطاء في كازقيل ومزارعو الفول في حلة (أبو كندى).. والسمحات بنات (دار حامد) في (طيبة الزعتير).. ارتسمت الابتسامة.. وزغردت الحسان وفرح العتالة في السوق الكبير.. وأقبل الموظفون على شراء الصحف الرياضية وهلال التبلدي يعود إلى مكان يليق به.. ولدوري افتقد مدينة الأبيض واسطة العقد وعروس السودان التي تجمع ولا تفرق.. مدينة العطر والدعاش والناس الذين إذا غضبوا أوجعوا وإذا رضوا نثروا الأفراح في الأودية والبطاح.
{ عاد هلال الرمال.. مسنوداً بتاريخ “تنقا الحريق” و”حسن بتبت” و”بارودي” الأنيق و”عماد النهود” الصلد و”مصباح فطر” و”السنجك” و”كلت” و”عبود” المهاجم الذي كان يخيف الهلال والمريخ وأولاد نوار.. من تلك الدوحة الكروية جاء أولادك يا “هارون” من (الحليلات الصغيرة)، (أم عشيرة) و(الدودية) و(الهشابة).. و(أم مقارين).. و(كندوة أم زوغي) و(الحمرة القوز) و(أم دقاشم) و(ارفع صدرك).. ومن (سودري) و(أم بادر) وحتى (دار الريح) و(السافل) و(الصعيد) القريب و(الصعيد) البعيد.. كل كردفان عاد لها فارسها الأغر بعرق الجبين وخدمة (الضراع) بعد أن لعب الفريق أكثر من (20) مباراة تنافسية جميعها خارج الأرض وبعيداً عن جمهوره وقلعته الحصينة عروس الرمال بسبب أعمال الصيانة التي تنتظم الاستاد اليوم.. لو كانت البطولات تمنح بالاعتبارات لاستحق هلال الأبيض الصعود لمجرد بلوغه الدور النهائي.. كيف لا وقد لعب الفريق في استاد المريخ وكادوقلي ولولا هتاف جمهور كادوقلي الذي طالب بعودة مولانا “هارون” للعب الفريق بقية المباريات في أرضه الثانية كادوقلي.
تعثر هلال الأبيض في مباراتين فقط.. ولكن نجاعة ومتابعة إدارة النادي وشطارتها أعادت لهلال الأبيض حقوقه وصعد الفريق بأخطاء مريخ كوستي الذي لا وجه مقارنة بينه وهلال الأبيض.. لا تاريخاً ولا بطولات ولا لاعبين ولا إدارة.. ولكن الدنيا أحياناً إذا أقبلت على أحد أعارته محاسن غيره.
عاد هلال الأبيض مثل عودة “مصطفى سعيد” في (موسم الهجرة إلى الشمال).. ليس مهماً من أين جاء وكيف جاء، لكن المهم أن هلال الأبيض عاد بكل جماله وعنفوانه لتزغرد نساء حي (القبة) وترقص أحياء (فلاتة) و(كريمة) و(أمير القش) و(أمير الطين) و(فلسطين) و(ود إلياس) ويحصد أهل كردفان أولى ثمرات مشروع نهضة كردفان، ويضفي مولانا “هارون” ابتسامة على الوجوه العابسة.. وما حل “هارون” بأرض إلا ونفع زرعها وآتى أكله، وحينما كان والياً على كردفان الجنوبية رغم الحرب نافس هلال كادوقلي على المرتبة الرابعة للدوري العام الماضي، وحينما غادر وجفت مصادر الدعم ترنح هلال كادوقلي وبات قريباً من الهبوط، ليساهم “هارون” بتبرع مالي في حملة إنقاذ هلال الجبال.. واليوم يمد “هارون” يديه لهلال الأبيض ويزرع في النفوس الأمل والعشم، ويعيد الحياة لمدينة حرمت طويلاً من الابتسامة والتغريد في دنيا كرة القدم.
شكراً لـ”خالد بخيت” المعلم.. وشكراً لـ”عبد القادر سالم” و”كاكا” و”مجدي” وكل نجوم أزرق كردفان.. وشكراً للوفي المخلص “أسامة عثمان” الذي يمثل واحداً من أسباب نجاحات “هارون”.

error: المحتوى محمي