أخبار

"محيي الدين عثمان" ضمير الاتحاديين!!

بقلم – عادل عبده
قلب الإنسان يكذب فكرة موت الأشياء الجميلة، لذلك لم يطاوعني القلم ولم أتمالك خواطري عندما نزل علينا خبر رحيل القطب الاتحادي الكبير “محيي الدين عثمان” الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى في الأسبوع المنصرم، فكان الحدث كالصاعقة المدوية والزلزال الخطير.
جال في دواخلي سؤال منطقي.. لماذا كان فراق “محيي الدين عثمان” على الجميع بهذا الحجم الضخم من اللوعة والحسرة والحرقة، رغم أن الفقيد كان يلوح لنا بالرحيل من خلال صبره الواضح على المرض الذي لم يفارقه لسنوات طويلة؟.. لا شك أن الإجابة تكمن في أن “محيي الدين
 لا يشبه إلا ذاته، وأن له سحراً لا يطابق إلا بصمته وأنه ظل يعيش بمزاج اتحادي لا يوجد مثيله.
تصور إيقاع القنبلة الهيدروجينية التي فجرها الأستاذ “محمد الدقير” وزير الثقافة بولاية الخرطوم في تأبين الفقيد عندما فاجأ الحضور بقوله إن “محيي الدين” هو الذي أخفى بطل شعبان المرحوم “ود المكي” عن أعين أمن “النميري”!!.. من الذي كان يعلم ذلك؟.. ولماذا لم يباهي الراحل بتلك الخطوة الجبارة.
“محيي الدين عثمان” أحد ركائز جيل العمالقة في حزب الوسط الكبير الذين شيدوا تقاليد راسخة وأرسوا قواعد متينة من الوطنية ونكران الذات.. إنه جيل ثابر وناضل وقدم التضحيات الكبيرة من أجل الوطن.. كان الفقيد العاشق الأزلي للعمل السري عندما تحل الشمولية على البلاد، فكان يستخدم هذا العمل الشاق كآلية ناجعة ومطلوبة لاسترداد الديمقراطية ومحاربة الديكتاتورية.. فقد كانت له مساهمة محفورة في دفتر التاريخ عندما قاوم مايو تحت راية الجبهة الوطنية، حيث تناول ذلك بإسهاب العم “عمر حضرة” والأستاذ “محمد الدقير” والدكتور “الطيب زين العابدين” والأستاذ “السماني الوسيلة” في ليلة تأبينه، وبذات القدر تحدث عن كفاحه في مصادمة الإنقاذ الدكتور “علي السيد”.
على المستوى الشخصي تعرفت إلى الفقيد “محيي الدين” في رمضان 1997 بـ(سجن كوبر) عندما اعتقلت الإنقاذ القوى السياسية والنقابية والطلابية المعارضة على خلفية هجوم قوات التجمع الوطني على مدينتي “الكرمك” و”قيسان”، وكان عدد الاتحاديين 20 معتقلاً تم تخصيص عنبر لهم، وأذكر أن “محيي الدين” كان واسطة العقد بيننا ورمانة الميزان، وكانت الأخبار والمعلومات تصل إليه من خارج السجن عن طريق جهات غير معلومة، وكانت رموز القوى السياسية المختلفة تأتي إليه في مكانه تتحاور معه حول الموقف السياسي وتوقعات المستقبل يومذاك.
كان الفقيد رجلاً كتوماً لا يفشي الإسرار ولا يتباهى بمواقفه المناهضة للأنظمة الشمولية، ونال إعجاب الساسة الذين ينتمون للأحزاب العقائدية، وكانوا يقولون بأن “محيي الدين” يمتلك خصائص ومزايا لا تتماهى مع طبيعة الأحزاب الجماهيرية، وأيضاً اشتهر الفقيد بتأثيره الواضح على شخصية “الحاج مضوي محمد أحمد” الرمز الاتحادي العريق، وكان يستطيع تحويل تصلب مواقفه إلى مرونة في كسر من الثانية.
كانت سيرة “محيي الدين” في المعترك السياسي تجسد ضمير الاتحاديين الذي لا يخذل أهله انطلاقاً من مبادئ راسخة ويقين لا يخالطه الظن، لم يكن الفقيد سياسياً فحسب بل كان رجلاً جاذباً يمتلئ بالفيض الدافق والإنسانية الرائعة.
رحم الله الراحل “محيي الدين عثمان أحمد” والعزاء لزوجته الصابرة وكريماته ونجله “مصطفى” وجميع أصدقائه ومعارفه.. اللهم تقبل عبدك “محيي الدين” في عليين.. وأسكنه في مقعد صدق مع الأبرار والصالحين.. وأشهد أنك الواحد والقوي والديان ولا حول ولا قوة إلا بك.

مقالات ذات صلة