تقارير

قرار رفع الحظر على اسبيرات الطائرات والقطارات.. هل له أبعاد سياسية..!

الخبراء يتساءلون عن إيجاد آلية لتنفيذ هذه الاستثناءات
الخرطوم ــ محمد جمال قندول
في الوقت الذي تحتفل فيه البلاد بانتهاء الحوار الوطني بمؤتمر الحوار الذي عقد بقاعة الصداقة (الاثنين) الماضي، بحضور عدد من رؤساء دول عربية، حمل وزير المالية “بدر الدين محمود” أنباء عن سماح أمريكا للسودان باستيراد قطع غيار للقطارات والطائرات خلال اليومين القادمين في استثناء أمريكي جديد بعد فترة قصيرة من رفع العقوبات والسماح الجزئي بالتعامل المصرفي بين المصارف الأمريكية والسودانية والذي أعقبه رفع العقوبات على المواد الطبية، والناظر للأمر يجد أن هنالك توجهاً أمريكياً جديداً بدأ يظهر في شكل العلاقة بين الخرطوم وواشنطن، في وقت يتساءل فيه خبراء الاقتصاد عن جدوى هذه الاستثناءات الأخيرة من الولايات المتحدة وتعجز فيه عن إيجاد آلية لتنفيذ البنود التي تم رفع الحظر عنها إلى أرض الواقع. 
استيراد الاسبيرات
في وقت تساءل فيه الخبير الاقتصادي “عز الدين إبراهيم” خلال حديثه مع (المجهر) أمس (الجمعة)، عن جدوى إمكانية تنفيذ هذه الاستثناءات خاصة وأن إجراءاتها طويلة وأمريكا نفسها لم تحدد أو تخلق آلية لتنفيذها، ويضيف قائلاً: لإنزال مثل هذا الاستثناء على أرض الواقع، يجب أن يكون هنالك سداد فوري عبر المصارف إذا ما أرادت استيراد الاسبيرات، ولفعل ذلك سيصطدم بعقبة  أن المصارف لا تتعامل مع السودان وترفض أن تدخل نفسها بين الخرطوم وواشنطن حتى لا تتعرض لغرامات كما حصل للمصرف الفرنسي الذي تم تغريمه مبلغاً مالياً ضخماً لتعامله مع السودان، وهو ما يوجب أن يكون هنالك تعامل مصرفي مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية لضمان الاستفادة من البنود التي تم رفع الحظر عنها.
يواصل “إبراهيم” حديثه ويقول أيضاً من العقبات التي تواجه مثل هذه الاستثناءات، الإجراءات الطويلة والتي تبدأ بمخاطبة مكتب الأوفاك مسؤول الحظر الأمريكي، وبعد موافقته يجب أن يوضع تحت منضدة الكونغرس قبل (45) يوماً لينظر في أمره بالموافقة أو الرفض من شيوخ الكونغرس.
واعتبر “إبراهيم” أن رفع الحظر له رمزية سياسية بتفكيك الحظر السوداني لمحاولة تحسين الأجواء بين البلدين خاصة إذا ما نظرت برؤية إستراتيجية ستجد أن السودان بات مثل الجزيرة وسط دول مضطربة جداً وخشية تسلل جماعات متطرفة إليه وتهديد أمن أمريكا ونشر الإرهاب وزعزعة الأمن الدولي على غرار ما جرى بدول محيطة كثيرة، منها ليبيا، لذلك هي حريصة على تحسين الأجواء بين البلدين خلال المرحلة المقبلة خاصة في ظل التغييرات الدولية التي طرأت مؤخراً، ويستطرد بالقول: ومحاولات تفكيك الحظر بدأت مع بدايات عهد “أوباما” وحينما كانت “هيلاري كلينتون” وزيرة للخارجية وما عرف حينها بـ(العصا والجزرة) للتعبير عن التعامل بين الدولتين.
أسباب سياسية
بينما اعتبر الخبير الاقتصادي “يوسف خميس” أن استيراد الاسبيرات للطائرات والقطارات سيكون له أثر إيجابي مباشر على حركة النقل الجوي والبري خاصة في تصليح الكثير من الطائرات المعطلة، وأضاف خلال حديثه لـ(المجهر) أنه قطعاً ستكون هنالك أسباب سياسية ضليعة باتخاذ أمريكا لمثل هذا القرار، ولكنه عاد وقال إن أثر مثل هذا الاستثناء سيكون محدوداً على الاقتصاد السوداني لأنه مرتبط بأبعاد سياسية، وأشار “خميس” إلى أن الرفع الكلي للحظر يحتاج إلى قرار سياسي في المقام الأول وغير معني به القطاع الاقتصادي.
ولكن الخبير السياسي د.”صلاح الدومة” يرى في حديثه لـ(المجهر) أن أبعاد القرار هو اعتراف غير مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية بأن هذه العقوبات كان لها أثر سلبي سيئ جداً على المواطنين، واعترف “الدومة” بأن أبعاد القرار سياسي أكثر منه اقتصادياً.
ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين أنه يجب أن يتم رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان بأبعاد اقتصادية حتى يتسنى للناس لمس فوائدها على أرض الواقع، وتساءل الخبراء عن مصير الاستثناءات الأمريكية وآخرها الرفع الجزئي عن التعاملات المصرفية، متفقين في ذات الوقت على ضرورة إنشاء آلية لتنفيذ ومتابعة مثل هذه القرارات، واعتبر الخبراء قرار رفع الحظر عن اسبيرات القطارات والطائرات مهماً جداً فيما يخص حركة النقل وسيكون نقطة انطلاقة لتحسين الخطوط الجوية على وجه الخصوص، خاصة مع وجود رقم كبير من الطائرات معطلة لعدم وجود اسبيرات.
غير أن خبراء سياسيين ينظرون إلى أن أمريكا باتت تخشى على نفسها، وتعتبر أن السودان دولة مستقرة عبرها تتم السيطرة على أمن الدول المحيطة والتي باتت تعاني من شبح الإرهاب جراء ثورات الربيع العربي التي غيّرت من شكل التحالفات الدولية مؤخراً، بجانب ظهور دول أخرى كقوى جديدة على خارطة الساحة السياسية العالمية، ومع هذه المتغيرات فإن علاقة واشنطن والخرطوم ستشهد تغيراً كبيراً خلال العامين المقبلين.
استثناءات سابقة
وبالعودة إلى الخلف سنجد أن هنالك الكثير من الاستثناءات التي تمت من قبل أمريكا برفع العقوبات على مسارات مختلفة وفي فترات متباعدة ولكن إيجابياتها أو المرجو منها اقتصادياً لم تأتِ، وقبل عام ونصف أعلن القائم بالأعمال الأمريكي في السودان عن سريان قرار بلاده الخاص برفع الحظر الاقتصادي الجزئي في مجال تكنولوجيا الاتصالات، وجاء حينها القرار بحسب القائم بالأعمال الأمريكي السابق “لانيير” لتسهيل حصول السودانيين على الهواتف الذكية والهواتف التي تعمل بالأقمار الصناعية، وتحديثات الأمان للأجهزة وبرامج مكافحة الفيروسات، وقبل شهر أو يزيد أصدر المكتب الأمريكي لإدارة الأصول الأجنبية إعفاءً شاملاً لكل المعدات الطبية الأمريكية إلى السودان،  وذلك بعد حملة في الكونغرس قادتها طبيبة سودانية تملك مركزاً متخصصً بعلاج سرطان الثدي في الخرطوم.
بدأت معاناة السودان مع الحصار الأمريكي منذ سنوات طويلة وتحديداً منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق “بيل كلينتون” في «1993» وألقت بآثارها السالبة على البلاد بصورة كبيرة من خلال عدم توفر الأجهزة الطبية الحديثة والاسبيرات، بجانب العديد من الأشياء الضرورية للمواطنين، ولعل أكثر الفئات التي تأثرت بالحظر الخطوط الجوية وخطوط السكك الحديد، بجانب الخطوط البحرية.
حديث وزير المالية
وكان وزير المالية والتخطيط الاقتصادي “بدر الدين محمود” قد أعلن عن سماح أمريكا للسودان باستيراد قطع غيار للقطارات والطائرات خلال اليومين القادمين، وقطع بأن علاقة “الخرطوم” مع  واشنطن تحسنت إثر اللقاءات التي تمت في الاجتماعات السنوية مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وقال إن ذلك يؤكد تخفيف الحظر المصرفي على السودان.
وقال “محمود” في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم أمس الأول (الخميس)، إن النقاش مع مساعد وزير الخزانة الأمريكية ارتكز على الجوانب الأفريقية والعلاقات الثنائية والعقوبات المفروضة،  فضلاً عن اللاجئين وتهريب البشر، وقطع بأن تطور العلاقات مع أمريكا أهم ما يميز هذه الدورة من ناحية اقتصادية، وقال إنه إحدى ثمرات الحوار الوطني.

مقالات ذات صلة