حوارات

خبير اللاجئين ومستشار حكومة القضارف لشؤون اللاجئين “حسن محمد عثمان جبرنا” ( للمجهر)

ما قدمه المجتمع الدولي نظير استضافة السودان للاجئين طيلة أربعة عقود غير كافٍ

* السودان حصل على دعم لوجستي كبير من أجل ترحيل الفلاشا
* لا بد من إجراء عمليات حصر دقيقة وواسعة للاجئين في المدن
* مشكلة اللجوء دولياً لها أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية

حوار : سليمان مختار

خبير اللاجئين بالسودان ومستشار حكومة ولاية القضارف لشؤون اللاجئين، “حسن محمد عثمان جبرنا” ، والذي عرف بالصرامة والشدة وإدارة العمل بروح الانضباط والالتزام بالمواعيد التي تجاوزت انضباط الخواجات ، التقته المجهر واجرت معه حواراً شاملا، عني بشكل خاص بتقليب ملفات اللاجئين ، بالذات فيما يتعلق باستمرار تدفقات اللاجئين ،وكيفية تعامل السودان مع ذلك الوضع بما فيه من تعقيدات ،ليس اقلها ممارسة الاتجار بالبشر ،والهجرة غير الشرعية، التي تجد اهتماما خاصا من قبل الاتحاد الاوروبي ، الذي تستهدفه تلك الهجرة ، بما يحيطها من معاناة ومخاطر ،مثلما نسترجع معه، في هذه السانحة ، عملية تهجير شهيرة ، هي عملية ترحيل اليهود الفلاشا، الى اسرائيل عبر السودان،و التي تزامنت مع فترة عمله كمساعد لشؤون اللاجئين ، حيث كشف عن تفاصيل جديدة لتلك العملية،.
فإلى مضابط الحوار..

*بداية السيد المستشار من أنت ؟
“حسن محمد عثمان”، مواليد مدينة بارا بشمال كردفان، في العام 1941م، درست الأولية بمدرسة بارا والوسطى بالأبيض والثانوي خورطقت والجامعة كلية الآداب جامعة الخرطوم، وبعد التخرج عملت بالولاية الاستوائية في جنوب السودان ومن ثم تم انتدابي إلى وزارة الداخلية في العام 1967م لتنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين حكومة السودان والأمم المتحدة والمندوب السامي، حول توطين اللاجئين بالولايات الشرقية، إبان تدفقات اللاجئين من إثيوبيا واريتريا، نتيجة للمجاعة والحرب وتم تنفيذ كل ذلك بإنشاء أكثر من (45) معسكراً بتلك الولايات.

*مضت أكثر من أربعة عقود على قضية اللاجئين بشرق السودان ولا تزال التدفقات مستمرة ،برأيك ما هي الحلول الجذرية لهذه القضية ؟
مشكلة اللجوء دولياً لها أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية، والحروب هي أس المشكلة، وقضية اللجوء بشرق السودان مرتبطة بالأوضاع السياسية بدول اللجوء، فالعلاقات بين إثيوبيا واريتريا ظلت متوترة لفترة طويلة ولا تزال تراوح مكانها، إلى جانب قضية الخدمة الوطنية والتجنيد الإجباري، ويقال إنه يتم بصورة قاسية في اريتريا مما أجبر الشباب للخروج منها بصورة كبيرة فضلاً عن تقلبات الأوضاع المناخية والطبيعية في القرن الأفريقي واستمرار الفوضى وعدم استقرار الأوضاع في الصومال، كلها تغذي تلك التدفقات، وعموماً مشكلة اللجوء يكمن حلها في استقرار الأوضاع السياسية في تلك البلدان التي باتت مصدرة للاجئين، بالرغم من أن الأوضاع بإثيوبيا استقرت إلا أن هنالك تدفقات من حين لآخر وهي ظاهرة الهجرة الاقتصادية لتحسين الأوضاع من خلال عبور الأراضي السودانية إلى أوروبا، عموماً العالم كله أصبح يشهد موجات من هجرات كبيرة نحو أوروبا بسبب الأوضاع الاقتصادية في البلدان النامية . وافتكر أن الأمم المتحدة تستطيع إيقاف تلك التدفقات بالعمل الجاد مع تلك الحكومات إلى جانب المجتمع الدولي بالضغط على تلك الحكومات أو دعم تلك الحكومات ببرامج تنموية لاستقرار الشباب وإيجاد فرص عمل، وإلا أن القضية سوف تظل مستمرة.

*تحسنت العلاقات بين إثيوبيا واريتريا في الآونة الأخيرة، وتم توقيع اتفاق الصداقة والسلام بين الدولتين مؤخراً هل سيسهم هذا في خفض تلك التدفقات ؟
نعم ..هنالك اتفاق تم مؤخراً بين الطرفين يمكن أن يؤدي لانحسار التدفقات ولكن ليس بصورة كبيرة، بسبب أن الهجرة أصبحت اقتصادية وليس لها علاقة كبيرة بالأوضاع بتلك الدول، أما فيما يتعلق باريتريا فإن ذلك يحتاج إلى إصلاحات في هيكلة الدولة فيما يتعلق بالحكم والحريات خاصة الخدمة الوطنية وإيجاد فرص عمل للشباب فاريتريا دولة صغيرة عدد سكانها لا يتجاوز الأربعة مليون يمكن أن تحدث فيها نهضة تنموية.
*تدفقات اللاجئين المستمرة أوجدت ممارسة الاتجار بالبشر، كيف يمكن معالجتها؟
الاتجار بالبشر، إعادة لإنتاج قضية الرق في العالم على نسق العصور الماضية مثل الممارسات التي حدثت في ليبيا وغيرها وأصبحت من القضايا المقلقة في العالم، وهنالك شبكات عالمية تعمل وتستثمر في تجارة البشر، بواسطة سماسرة في تلك الدول، وهذه الشبكات استطاعت إقناع واستمالة اللاجئين من داخل وخارج المعسكرات بالهجرة وتهريبهم إلى أوروبا، والسودان دولة عبور إلى ليبيا ومصر، وهذه الممارسة ترتبت عليها العديد من الآثار السالبة والخطيرة والانتهاكات الجسيمة في حق البشرية .وتكمن الخطورة فيها أن المهاجر أو اللاجئ يكون رهن تصرف أفراد الشبكات وعدم وجود حماية، لذلك بدأت تظهر بعض الانتهاكات مثل دفع الفدية من ذوي الضحية وأحياناً تحدث انتهاكات أخلاقية للنساء اللائي يقعن في قبضة الشبكات إلى جانب تأثر أوروبا بالهجرة غير المشروعة، وهذا دفع الدول الأوروبية بالتدخل للعمل على إيقاف ومعالجة الظاهرة التي أوفدت إليها تدفقات كبيرة ضاقت بها أوروبا عبر بعض البرامج والإجراءات بالتنسيق مع حكومة السودان ومفوضية اللاجئين.

*وهل أفلحت تلك الجهود في الحد من الهجرة غير الشرعية ؟
بصراحة … لم تفلح تلك الجهود التي قامت بها المفوضية السامية بالسودان والدول المانحة ووكالات الأمم المتحدة في إيقاف التدفقات إلى أوربا بسبب قلة الدعم المقدم من قبل المفوضية السامية للجهات السودانية المختصة غير كافٍ إلى جانب المنظمات العاملة في مكافحة الهجرة فضلاً عن اتساع الحدود السودانية مع الدول المجاورة لاسيما أنها غير آهلة بالسكان ولا توجد بها نقاط شرطية لإحكام الرقابة عليها وانعدام وسائل الاتصال جراء شح الإمكانيات ووسائل النقل للأجهزة الشرطية والسًلطات في المحليات الحدودية تفتقر ذلك وعدم وجود مكاتب لمعتمدية اللاجئين في المناطق الحدودية لاستقبال اللاجئين فضلاً عن افتقار منطقة البطانة التي أصبحت من المناطق المقلقة فهي بمثابة رأس الرمح لعمليات الاتجار بالبشر وتهريبهم فلابد من توفير الدعم اللازم لتنفيذ عدد من الخطط والبرامج لمكافحة الظاهرة وإيقاف التدفقات إلى أوروبا وما نشهد في وسائل الإعلام من مؤتمرات ولقاءات من قبل دول الاتحاد الأوربي لاحتواء وإيقاف التدفقات الكبيرة دليل قاطع على عدم مكافحة الظاهرة إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي ممثلة في المانحين جادة في إيقاف واحتواء تدفقات اللاجئين عليها أن توفر الدعم والمعينات لحكومة السودان نظير ما تقدمه الحكومة من مجهودات رغم قلة الدعم.

*لماذا توقفت مبادرة الحلول المتكاملة التي بدأ تنفيذها في ولايتي كسلا والقضارف ؟
كما ذكرت أن مشكلة اللجوء سياسية في المقام الأول مرتبطة بالنزاعات الداخلية لدول القرن الأفريقي التي تجذرت فيها المشاكل الداخلية، وجعلت السودان يتأثر بقضية الإقامة الطويلة للاجئين، خاصة بعد تطبيق بند الانقطاع من قبل الأمم المتحدة في 2005م نتيجة للتحولات السياسية في اريتريا وإثيوبيا في العام 1999م بانتصار الثورة الإثيوبية واستقلال اريتريا وانتهاء برنامج العودة التطوعية، وأوقفت الأمم المتحدة جميع المساعدات للاجئين وأغلقت جميع المعسكرات عدا بعض المعسكرات الموجودة حالياً وجرت مباحثات بين الحكومة السودانية والأمم المتحدة حول برنامج المناطق المتأثرة باللاجئين فكانت مبادرة الحلول المتكاملة التي تم إعدادها بواسطة خبراء ومختصين في شؤون اللاجئين هي عبارة عن حزمة من البرامج التنموية في مجالات الصحة والتعليم وبرامج تمليك اللاجئين للمشاريع المنتجة بغرض الاعتماد على أنفسهم إلا أن تلك البرامج لم يتم تنفيذها بسبب تنصل المانحين من الدفع والإيفاء بالتزاماتهم المالية عدا دولة النرويج التي قامت بدفع مبلغ (4) ملايين دولار، صرفت في بعض مشاريع البنى التحتية في الصحة والتعليم بولايتي كسلا والقضارف.

*تقييمكم للخدمات التي قدمتها الأمم المتحدة للسودان نظير استضافته للاجئين طيلة تلك الفترة بالأخص ولايتي القضارف وكسلا ؟
بصراحة لا أقول إن البرامج المطروحة وفق خطة إعادة تأهيل المناطق المتأثرة لم يتم تطبيقها بنسبة 100% ولكن لحد ما . بعض البرامج تم تنفيذها في التعليم والصحة أسهمت في ترقية البنية التحية إلى جانب بعض البرامج التي أسهمت في حل الضائقة الاقتصادية التي يمر بها السودان.. ولكن إذا أخذنا ولاية القضارف نموذجاً نجدها لا تزال تعاني من اللاجئين الذين يشاركون المواطنين في الخدمات خاصة الصحة والتعليم.. عموماً ما قدمه السودان لا يتناسب مع حجم الدعم المقدم له.

*كيف يمكن حل مشكلة تواجد اللاجئين بالمدن السودانية ؟
لابد من إجراء عمليات حصر دقيقة وواسعة للاجئين في المدن خاصة في ولايات الشرق من قبل إدارة الجوازات بالتنسيق مع إدارة اللاجئين بولايتي كسلا والقضارف وحصر تواجدهم في الأحياء ومناطق المعسكرات المغلقة بولاية القضارف في محليات الفشقة والرهد والشواك، واستخراج بطاقة اللاجئ لهم وتصنيفهم بإجراء عمليات الفحص القانوني ومن ينطبق عليه صفة اللاجئ تمنح له بطاقة اللاجئ ومن لم يستحق يتركوا لإدارة الجوازات للتعامل معهم وفقاً لقانون الجوازات.

*يحكى عنك أنك صارم جداً إبان فترة عملك كمساعد لمعتمد اللاجئين بالولايات الشرقية أكثر من الخواجات ؟
(ضاحكاً..) لا أقول أكثر من الخواجات لأنني درست وتدربت على أيدي الخواجات ودرست في الثانوي والجامعة على أيديهم حتى الدراسات العليا في بريطانيا، واستفدت منهم كثيراً في النظام والانضباط.

*يقال إنهم كانوا يهابونك في التعامل معهم ؟
لا ليس الأمر كما يقول البعض.. ولكن درست نفسية الخواجات خلال التعامل الكثير معهم وخلال دراستي للعلوم السياسية عرفت أن الخواجات خاصة الأوربيين والأمريكان لا يقدمون الخدمات لوجه الله إنما لغرض في نفس يعقوب، لذلك كنت أحصحص القضايا قيد النظر فيها. وكنا لا نأخذهم على علاتهم .وكنت أنظر على ما يقدمونه من برامج يجب أن ينبع من احتياجاتنا وليس مما يملوه علينا، وكانت تحدث بيننا وبينهم مشادات ومشاكسات في التفاوض، لذلك دائما يصفوني بأنني مفاوض عنيف، وهذا أسلوبي في التفاوض معهم وأرى أي مفاوض في قضايا وطنية يجب أن لا ينكسر ولا يتساهل.

*ما هي قصة الطائرة التي خصصت لك ؟
قصة الطائرة قد تقودني لأشياء لم أتعرض لها، ولكن سوف أتناولها لاحقاً فقصة الطائرة بدأت عندما حدثت المجاعة في العام 1986م في جنوب طوكر وشمال كسلا والقضارف وحينها تدفقات اللاجئين تأتي بصورة رهيبة، وكانت تلك المناطق تحت إدارتي ولم نكن نملك أي آلية أو جهاز للإنذار المبكر للتعامل مع تلك التدفقات وتوفير المعينات لمقابلة التدفقات والأمم المتحدة لديها طائرة، وكانت يدها طويلة والسفارات الأجنبية أيضاً كانت مهتمة بالأمر خاصة البريطانية وكانت الطائرة تجوب وتتوغل داخل الحدود الإثيوبية والاريترية بحرية كاملة، ومن ثم يقومون بمدنا بالمعلومات حول تدفقات اللاجئين ونقوم بتحليلها، وشعرنا أن هنالك شيئاً ما يحدث وبدأنا نشك في نواياهم، وقررنا عدم الاعتماد على معلوماتهم بعد اهتمامهم الكبير ببعض المجموعات من اللاجئين الإثيوبيين ،التي عرفت لاحقاً باليهود الفلاشا، وطلبنا من المندوب السامي مدنا بطائرة للقيام بعمليات المسح حول تدفقات اللاجئين داخل حدودنا، لأننا نتقيد بالقوانين والأعراف الدبلوماسية للحدود وأنتم لا تتقيدون بذلك .وبالفعل تم منحنا طائرة وكنا نستخدمها في عمليات المسح نسبة لوعورة الطرق وكذلك استخدمها حاكم الإقليم الراحل “حامد علي شاش”.

*هل قصة الطائرة كانت البداية الخفية لعملية ترحيل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل وكنت شاهداً على هذه العملية، كيف تم الترتيب لها ؟
نعم ..كما ذكرت سابقاً أن هنالك شكوك وحركة غريبة لاحظناها خلال عمليات المسح على تدفقات اللاجئين، ولكن عملية ترحيل اليهود تم الترتيب لها بواسطة موظفين أمريكان وبريطانيين ويهود، كانوا تابعين لجهاز المخابرات الأمريكية (CIA) وكانوا مندسين كموظفين في مكاتب المندوب السامي بالخرطوم والشواك.

*هل كنتم مستغفلين في عملية ترحيل اليهود الفلاشا في ساعة الصفر أي بداية عملية الترحيل ؟
لم نكن مستغفلين، والتحضيرات والترتيبات لهذه العملية كانت واضحة بالنسبة لنا من خلال التحركات الغريبة والمريبة لبعض الموظفين، بالمندوب السامي والمنظمات الأجنبية، التي شرعت في توفير المعينات اللوجستية للعملية ،وتواترت إلينا أنباء مؤكدة أن هنالك طائرة هبطت بمطار المحرقات شمال الشواك، حملت مجموعات من اللاجئين إلى جانب أن هنالك حركة في منطقة عروس بالبحر الأحمر، والغريب في الأمر كانت لدينا معلومات بأن هنالك طائرة هبطت في مطار العزازة تحمل كميات كبيرة من المياه المعدنية، وكنا نقوم برفع التقارير والمعلومات للجهات الأمنية عبر مشاركتنا في اجتماعات لجان أمن الخرطوم وكسلا والقضارف ومدها بالمعلومات.

*هل تمت عمليات ضبط لحركة ترحيل اليهود الفلاشا خلال سريانها ؟
نعم …تم ضبط بعض المجموعات بقيادة أحد موظفي الأمم المتحدة، وكانت في طريقها إلى مطار (العزازة) وهي على وشك المغادرة فأوقفتها الأجهزة الأمنية، حينها حاول أحد الموظفين الانتحار وتم إرجاعهم للمعسكرات.

*ما هي ردة فعلكم والأجهزة الأمنية حين ذاك بعد ضبط تلك المجموعات ؟
من جانبنا قمنا بإصدار قرار بمنع خروج أو دخول اللاجئين من جميع المعسكرات إلا بإذن مباشر من شخصي، وتوزيع منشور لكل مديري المعسكرات بأن يقوموا بوضع القرار موضع التنفيذ، واذكر أن المندوب السامي حينها اعترض على القرار، وقلنا لهم إن القرار صادر من لجنة أمن القضارف وإن القرار لا رجعة فيه.

*هل واجهتم المندوب السامي لمفوضية اللاجئين بتلك الحقائق بعد كشف العملية؟
بعد إلمامنا بتفاصيل العملية واكتمالها تطابقت كل الشكوك في بعض الإجراءات والتحركات الغريبة ،التي قامت بها لترحيل بعض المجموعات، ولكن بالصُدفة بعد اكتمال العملية ،أخبرني مستر “نكرو أورس” المندوب السامي لمفوضية اللاجئين بالخرطوم، أن هنالك مجموعة من اليهود الفلاشا تم ترحيلهم إلى إسرائيل عبر اليونان، وقال لي إنه سمع الخبر في إذاعة البي بي سي.

من كان العقل المدبر لعملية ترحيل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل من الشخصيات الأجنبية العاملة بالسودان ؟
المستر (جيري ليفر) هو مهندس عملية ترحيل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل، وهو ضابط (CIA) وكان مسؤولاً في مكتب المندوب السامي بالخرطوم، وذراعه الأيمن في العملية ضابط جنوبي في جهاز أمن الدولة بالقضارف، واسمه (دانيال)، وهو بمثابة القائد الميداني للعملية خاصة أنه كان بمكتب جهاز أمن الدولة بالقضارف، وأخطرني (جيري) أنهم عندما شرعوا في عمليات الترحيل أخطره (دانيال) بكتمان الأمر وعدم إبلاغي، لأنني من الشخصيات المتذمرة التي سوف ترفض العملية وتقاومها، وإن العملية سوف تفشل إذا تم إبلاغي، وسوف اكشف العملية للرأي العام والصحافة، وقال لي إن اليهود الفلاشا لن يرحلوا إلى إسرائيل، إنما إلى هولندا واليونان وبعض الدول الأوربية.

*ما هي ردة فعلك حيال ذلك ؟
قلت له ما هي الضمانات بعدم ذهابهم إلى إسرائيل؟ وقال إنهم سوف يقيمون في قبرص واليونان، طبعاً هذه كلها كانت مناورات وأكاذيب غربية، والأمر كان قد انتهى، وأنا قدمت إفاداتي حول ذلك في محكمة الفلاشا التي عقدت عقب انتفاضة أبريل.

*هل استفاد السودان من عملية ترحيل الفلاشا رغم السخط الداخلي والعربي عليها ؟
بصراحة استفدنا كثيراً من عملية ترحيل الفلاشا، أذكر مثالاً على ذلك أننا طلبنا قريدر واحد قبل العملية وتفاجأنا بإحضار أكثر من (7) قريدرات عن طريق الجو، وهبطت الطائرة في مطار (العزازة)، وهذا أثار حيرتنا إلى جانب خزانات المياه ومحطات المياه والعيادات المتحركة والسيارات والشاحنات، إلى جانب جلب أول جهاز حاسوب بشرق السودان، وكان هنالك دعم مادي ولوجستي كبير، وكان الهدف طبعاً من هذا الدعم ليس السودان، بل كان من أجل ترحيل اليهود الفلاشا.

*هذا يعني أن هنالك صفقة خفية تمت بين الحكومة وبعض الجهات الغربية ؟
هذا يسأل عنه من كانوا في السلطة وقتها، أما من خلال متابعتنا لسير العمل في إدارة شؤون اللاجئين ،كنا على علم بكل صغيرة وكبيرة، ولم يظهر لنا شيء من هذا القبيل ، ولكن كنت اقصد المكاسب التي جنيناها من الدعم اللوجستي جراء العملية.

يقال إن ميزانية معتمدية اللاجئين في عهدكم كانت تفيض عن الحاجة وإنه يتم إرجاعها ؟
هذا كلام فارغ ،وعارٍ من الصحة، نعم كنا نحقق فائضاً في الميزانية نحاول استغلاله وتسخيره في خدمة المرافق الحكومية، وهذا ما أخذه علينا المانحون، وأذكر في هذه القضية عندما تم تعيين الفريق “عبد الرحمن سر الختم” معتمداً للاجئين بالسودان، كان مشحوناً ضدي، وحين زار الشواك وجه ذات السؤال، وذكرت له أن من واجبي كمواطن سوداني أن أحس بمعاناة المواطنين، وهنالك أشياء لا يمكن تقديمها للمواطن بالعلن لذلك نقدمها بالسر لترقية الخدمات الأساسية.

 

مقالات ذات صلة