المشهد السياسي

السياسة وغياب الحكمة

موسى يعقوب

اليوم والبلاد تحتفي بعيد استقلالها الثالث والستين، عندما نتأمل في تجربتنا السياسية نجد أن (إعلان الاستقلال من داخل البرلمان) كان من أشهر القرارات السياسية الوطنية الحكيمة وقد تمت بإجماع غير مسبوق.. ومن بعد كانت التناقضات والخلافات التي حفلت بها حقب ما بعد إعلان الاستقلال.. وآخرها ما نراه اليوم في الحقبة الإنقاذية التي جرت فيها الكثير من الإنجازات التنموية والأمنية والسياسية، وكل ذلك معروف وبادٍ للعيان كما السلبيات التي حدثت ولها أسبابها كالأزمة الاقتصادية والإدارية وتوابعهما.. إلا أن فكرة الحوار والبحث عن الحلول التي بدأت في أول عهد الإنقاذ وختمت مؤخراً بالحوار الوطني والمجتمعي الذي كانت له مخرجاته الواسعة والجيدة التي أسست للكثير مما هو موجب الآن.. ولكن.. نعم..
نستدرك قائلين ولكن هذه الأيام عاود غياب الحكمة في السياسة مجتمعنا السياسي الحزبي والمجتمعي.. ويكفي في هذا قرارات بعض التجمعات الحزبية بحل المؤسسات الدستورية وتنحي السيد الرئيس.. وقد سبقت تظاهرات احتجاجية مشروعة كفلها الدستور ولكنها أيضاً جاوزت الحكمة والدستور بما جرى فيها.
فحسب بيان السيد وزير الداخلية الذي أدلى به أمام البرلمان، كانت هناك خلال أكثر من أسبوعين بقليل.
– كان عدد التظاهرات في المدن المختلفة (381) تظاهرة.
– توفي فيها (19) شخصاً رحمهم الله.. وألقيّ القبض على (816) شخصاً وبلغ عدد البلاغات (322) بلاغاً.
وما حدث من أضرار وخراب كان كبيراً أيضاً وربما غير مسبوق في المرافق العامة والشرطية التي بلغ عددها (137) مرفقاً وكذلك المركبات التي تم حرقها وجاوزت الـ(190) مركبة، منها (21) مركبة حكومية و(6) تابعة لمنظمات و(102) تابعة للشرطة.
إن هذا كله وقد أدلى به السيد وزير الداخلية أمام المجلس الوطني (البرلمان)، كان يجب أن يجد الحكمة في المؤسسات التشريعية وليس ما حدث من تداخلات وتقاطعات خرجت عما هو مألوف ومعروف ومحكوم بلوائح المؤسسية والمسؤولية التي يتوشح بها، ويعني النائب البرلماني.. فللبرلمان أدبه وثقافته ومرجعيته.. عير أن غياب الحكمة عن السياسة هو الذي أدى لذلك مجتمعاً.
فالله نسأل أن نتعافى من ذلك ساسة وإعلاميين.. ذلك أن سوداننا الحبيب بحاجة إلى الحكمة والموضوعية في اتخاذ القرار وممارسة المسؤولية.. فمن دعا إلى حل المجلس الوطني واستقالة رئيسه كان يتوجب عليه أن يبدأ بنفسه أولاً.. فيما أرى والله أعلم.

error: المحتوى محمي