تقارير

(الدولار) يعبث بكل المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد.. فهل من مخرج؟

بعد اقترابه من الرقم (100) ..
الخرطوم – النذير السر
واصل الدولار ارتفاعه لأسعار قياسية وغير مسبوقة، في ظل افتراع الموازنة الجديدة للدولة التي جوبهت بجملة من التحديات الاقتصادية والسياسية، حيث سجلت أسعار الدولار في السوق الموازي (95) جنيهاً للبيع، و(94) جنيهاً للشراء، وكانت الحكومة الانتقالية تعول بشكل كبير على الدعم الخارجي لانتشال الاقتصاد المنهك.
وقد سجل الدولار ارتفاعات قياسية، عقب تشكيل الحكومة الانتقالية، بعد فترة استقرار نسبي شهدتها أسعاره أمام العملة المحلية. وتعد أبرز ارتفاعاته تلك التي أعقبت تصريح وزير المالية الدكتور “إبراهيم البدوي” لوكالة (رويترز) للأنباء حيث أعلن “البدوي” أن السودان تلقى بعض الدعم لواردات الوقود والقمح، لكن نحو ستة وخمسين في المائة من الشعب البالغ تعداده (44) مليون يعاني من الفقر، ويحتاج إلى تمويل تنموي بقيمة تصل إلى ملياري دولار، بجانب ملياري دولار من المأمول الحصول عليها من صناديق تنموية عربية. وعد كثيرٌ من الخبراء الاقتصاديين أنَّ التصريح تم التقاطه وقتها من قبل المواطنين وتجار العملة بشكل مغاير ، وهو الأمر الذي زاد من الطلب على الدولار، مما أدى إلى ارتفاع أسعاره، كما أنَّ الجولات التي قام بها وزير المالية، والحوارات التي قادها مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كان لها دورها في الترقب الحذر والتروِّي على طلب الدولار، فقد ارتفعت وقتها المؤشرات السياسية وفقاً لتصريحات وزير المالية بتمويل الاتحاد الأوروبي والصناديق المالية الدولية لموازنة 2020، وبحسب خبراء اقتصاديين هو ما ساهم في ثبات أسعار الدولار في الحدود المعقولة، كما أن الاقتصاد علم يقوم على التنبؤات فإنه بشكل أكثر دقة يقوم على قراءات المعادلات، فبعد إجازة الموازنة العامة للدولة، وتبيان حجم العجز والدين الداخلي بها وإبقائها على الدعم للمحروقات والقمح، الأمر الذي يضاعف من حاجتها للنقد الأجنبي حتى قيام المؤتمر الاقتصادي ومؤتمر الحوار المجتمعي الذي تم التوافق على قيامه في مارس المقبل، كما أن عدم إفلاح الحكومة طوال هذه الفترة في الحصول على دعم أو قرض خارجي، حيث تم ربط ذلك بشكل واضح بإجراء الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد، ما يجعل ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه يأتي كنتيجة حتمية لهذا المعادلات الاقتصادية ــ بحسب خبراء.
وزارة المالية والتحسب المبكر .
كان واضحاً أنَّ الدكتور “إبراهيم البدوي” وزير المالية متوقعٌ لهذا الارتفاع، خصوصاً بعد أن تمت عرقلة الموازنة التي قدمها لمجلسي السيادة والوزراء، التي تضمنت بجانب رفع الدعم التدريجي، بناء شبكة أمان اجتماعية، وزيادة للمرتبات، ومضاعفة في الصرف على الصحة والتعليم والزراعة، وقد جاءت الموازنة موافية لحواراته مع الصناديق الدولية، فقد صممت الموازنة، بحيث تحقق الدعم الاجتماعي، وتحريك القطاع الإنتاجي، واستيفاء مطلوبات الدعم الفني والمالي الدولي، إلا أن (الفيتو) الذي تم استخدامه من تحالف قوى الحرية والتغيير برفضه للموازنة، رغم إجازتها من مجلسي السيادة والوزراء بتقديرات سياسية أربك حسابات وزير المالية، فكان أن وقَّعت وزارة المالية اتفاقاً مع شركة (الفاخر) لتصدير الذهب، وهي الاتفاقية التي أثارت جدلاً كبيراً، وقد أوضحت وزارة المالية أنَّ الهدف من الاتفاق توفير الشركة لاحتياجات الحكومة من النقد الأجنبي بهدف المساهمة في السيطرة على سعر الدولار، وذلك بخروج الحكومة من شراء الدولار من السوق الموازي، ويمكن القول إن الإطار النظري الذي قامت به وزارة المالية أكثر من جيد، وأن الإشكالات الشاخصة في المشهد الاقتصادي جاءت من خلال قرارات تابعة للقطاع الاقتصادي، بالإضافة لحضور التقدير السياسي المتعامي عن الحقائق الاقتصادية.
قرار ات ونتائج عكسية.
يري بعض المراقبين للأداء الاقتصادي للحكومة الانتقالية أن هناك بعض القرارات الإصلاحية جاءت بنتائج عكسية على الأداء الاقتصادي العام، وساهمت بشكل مباشر في مضاعفة الحاجة الحكومية للنقد الأجنبي، الأمر الذي ساهم في زيادة أسعار الدولار، فقرار منع تصدير الماشية الذي اتخذته مجموعة من الدول، بعد إعلان وزارة الصحة عن انتشار حمي الوادي المتصدع بإحدى الولايات انعكس بشكل كبير على عائد صادر الثروة الحيوانية، كما أن القرار بإيقاف الصادر الحي للماشية السودانية، كان هو الآخر مؤثراً في موارد النقد الأجنبي لوزارة المالية. ويرى بعض الخبراء إمكانية التدرج في إنفاذ هذا القرار، بعد التوافر على اكتمال المسالخ الكبرى المطابقة للمواصفات العالمية، وتُقدر صادرات هذا القطاع بأكثر من (900) مليون دولار في العام، كما لا يمكن عزل قرار وزارة التجارة الذي قضى بإيقاف صادر الفول السوداني، وهو الأمر الذي أحدث إرباكاً في سوق الصادر بشكل عام. وبرأي خبراء اقتصاديين فإن هذه القرارات كانت لها انعكاساتها على تراجع حصائل الصادرات، وهو الأمر الذي يعكس الحاجة الرسمية للدولار، عوضاً عن حاجة القطاع الخاص للدولار، مما يعنى استمرار ارتفاع أسعاره في ظل العجز الكبير في الموازنة الحالية .
الخبير الاقتصادي الدكتور “محمد الناير” أوضح لـ (المجهر) أن ما يؤخذ على الحكومة الانتقالية عدم اهتمامها بقضايا معاش الناس وقضايا الاستقرار الاقتصادي، وأن هناك خطوات داخلية كان يمكن الابتدارُ بها مثل إنشاء بورصة الذهب، وتقديم حوافز لمنتجي ومصدري الذهب؛ الأمر الذي يحد من تهريبه، ويعود بموارد كبرى للخزانة العامة، كما أن الحكومة لم تتخذ حتى الآن سياسة واضحة تجاه المغتربين حتى تضمن تحويل أموالهم عبر القطاع الرسمي التي تقدر بحوالي ثلاثة مليارات دولار سنوياً، مضيفاً أن الحكومة أجازت موازنة متضخمة تعادل ثلاثة أضعاف موازنة العام السابق، وأنها اعتمدت ــ أي الموازنة ــ بشكل كامل على الدعم الخارجي، وهو أمر غير مضمون، كما أنها اعتمدت على رفع الدعم الذي هو خيارٌ غير متوقع خلال العام الجاري، بالرغم من الاتفاق على قيام مؤتمر اقتصادي في مارس المقبل، إلا أنه من غير المتوقع الموافقة على رفع الدعم، ولو حدث ذلك سينتج عنه نتائج كارثية بارتفاع التضخم الذي ربما يؤدي أحداث تغيير كامل للمشهد.

وكان وزير المالية “إبراهيم البدوي” قد كشف عن حجم العجز الذي تعاني منه موازنة العام 2020، مقدراً إياه بـ(3.32) مليارات دولار أمريكي، مشيراً في الوقت ذاته إلى ضرورة ضغط النفقات، مشيراً إلى أن رفع الدعم التدريجي عن البنزين والجازولين سيغطي عجز الموازنة بشكل كامل، كما أنها ستكون في غنى عن الاستدانة من بنك السودان، في حال تم قيام المؤتمر الاقتصادي في مارس المقبل لإجازة الموازنة الموقوفة عن التنفيذ لحين قيام المؤتمر، هذا الحديث للوزير عقب إجازة الموازنة المعدلة التى لم يمضِ على إجازتها أكثر من أسبوعين، وبالتأكيد قبل ارتفاع سعر الدولار واقترابه من المائة جنيه، فهل يتم استعجال قيام المؤتمر الاقتصادي لتدارك الاختلال الاقتصادي في الميزان التجاري، أم يترك الدولار ليعبث بكامل المشهد الاقتصادي والسياسي؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق