ولنا رأي

والله ما رضيناها ليك!!

صلاح حبيب
ظل الفنان المبدع “أبوعبيدة حسن” يعاني منذ أزمان بعيدة من الألم والمرض والإهمال، ولم تلتفت الدولة خاصة وزارة الثقافة والإعلام، التي من المفترض أن تعنى بالمبدعين من أبناء هذا الوطن ولكن معظم المبدعين في كل العالم لهم مكانة خاصة من قبل وزراء الثقافة، ولم يصلوا إلى حالة التردي والإهمال التي يعاني منها هذا المبدع، إن كان على مستوى الإذاعة والتلفزيون، أو على مستوى الصحافة والإعلام، أو على مستوى الفن والغناء، فالفنان “أبوعبيدة حسن” في سبعينيات القرن الماضي حينما أجرت معه الإذاعة حواراً فنياً كانت أمنيته أن يحجج أمه، فأصبحت تلك الكلمة سخرية بالنسبه له، فظل الناس يتناقلونها كأنما أتى بشيء عيب، فأبوعبيدة كان صادقاً في أمنيته إن كانت فنية أو على مستوى الأسرة، فقدم “أبوعبيدة” أجمل الغناء، ومن خلال هذا الفن الراقي الذي تغنى به بعض الفنانين فركبوا الفارهات من تلك الأغنيات الرائعة التي تسحر القلوب والنفوس، بل تدغدغ المشاعر والأحاسيس، فكانت إحدى أغنياته التي قالها في والدته، وهي طريحة الفراش (أنت تبري من الألم) كان صادقاً في تلك الكلمات الجميلة، فلم يرد أن يرى والدته، وهي في تلك الحالة من المعاناة، وهذا الألم الذي أصابها، عانى الفنان “أبوعبيدة” فترة من الزمن، كان بإمكان أصدقائه وعشاق فنه أن يلحقوا به، قبل أن يصل إلى تلك المرحلة التي وصل إليها، غنى المغنون بفنه المبدع وامتطوا الفارهات على حسابه، وكانوا يأكلون أشهى أنواع الطعام في تلك المناسبات، ويغدق عليهم أهل المناسبات من المال الوفير، وما لذ وطاب من الطعام، بينما هو يرقد طريح الفراش يتلوى من الألم، إن المبدعين في هذا البلد يعانون، بينما هم يحترقون من أجل إسعاد الآخرين.. في مجال الفن الذي يتراقص في الأمسيات الفتيان والفتيات، أو كتابات الصحفيين والإعلاميين أو مقدمي البرامج عبر الإذاعة والتلفزيون، الإبداع في السودان لا أحد يهتم به حتى الوزراء يعتبرونه عملاً ثانوياً، وكل من يقوم به واجب عليهم، حتى على مستوى الرياضة نجد الطرب والرقصات عقب كل مبارة للاعب الفلاني، بل نسمع تلك الأغنيات تردد داخل الاستادات أو خارجها، ولكن بعد أن يغادر اللاعب البساط الأخضر لا يعيرونه أي التفاتة، وأحياناً يترك للوهم حتى وفاته، لا أحد يذهب لتقديم واجب العزاء، فكم من لاعب كرة قدم كان نقمة على الشفاه، وكم من فنان ظلت أغانيه تردد في العام أو الخاص أو حتى داخل الحمام، ولكن لا أحد يهتم به إذا انزوى أو غاب عن أنظار المشاهدين أو المستمعين، لذا فإن الفنان “أبوعبيدة حسن” غنى لنفسه حينما قال (والله ما رضيناها ليك) فعلاً لا أحد يرض له هذه الحالة التى هو عليها الآن، فقد السمع والبصر فقد الأصحاب والدولة والجيران، في إحدى المقاطع المتداولة له حال يغني عن سؤاله المشهد يصوره على (عنقرب) خالى من الفرش وملابس لا تشبه من ملأ الأرض والسماء فناً وإبداعاً، لذا لابد من السادة وزراء الثقافة والإعلام وهيئة المبدعين أن ينظروا إلى حالته، وحتى كل مبدعي بلادي الذين أصبحوا طي النسيان. في إحدى المرات كنت قد زرت الراحل المبدع والشاعر الفحل “صديق مدثر” بمنزله قبل رحيله بفترة ليست بالقليلة وجدته في حالة من البؤس يسكن في مسكن خالٍ من السكان لا أحد يشرف على حاله، بينما تغنى الأستاذ الكبير “كابلي” بأجمل أغانيه (ضنين الوعد) وغيرها من الكلمات الرائعة التي مازال فنانو بلادي القدامى والمحدثون يتغنون بها.. تفقدوا المبدعين بكل طوائفهم، أدب، فن، صحافة، إعلام إذاعة تلفزيون قبل أن نفقد الإبداع نفسه.