تقارير

رسالة “حمدوك” للأمين العام : دوافعها ومخاطرها

الدكتور الدرديري محمد أحمد

كثيرون تساءلوا عن دواعي ومغزى رسالة “حمدوك” للأمين العام للأمم المتحدة، التي تم الكشف عنها أثناء عطلة نهاية الأسبوع المنصرمة. وأرجو في هذا المقال أن أدلو بدلوي قاصراً مساهمتي على جانبين هما أولاً دواعي وخلفيات تلك الرسالة، وثانياً مخاطر تنفيذ الفكرة التي تضمنتها. وحيث إن المقترح المقدم يرتبط وثيقاً بمسألة انسحاب بعثة حفظ السلام المختلطة بدارفور (يوناميد)، فإن القراءة الصحيحة له تتطلب أن نبدأ بإطلالة سريعة على تلك العملية.
شُكلت بعثة (يوناميد) بموجب قرار مجلس الأمن رقم(1769) الصادر عام 2007 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك لحماية المدنيين في دارفور، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية لهم. وقد وصل تعداد قوات البعثة في أوجها إلى (26) ألفاً، وفاقت ميزانيتها السنوية المليار دولار. ورغم تعرض الخرطوم وقتها لضغوط هائلة نجحت جهود الحكومة في جعل القوة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي أفريقيةً خالصة في أول سابقة من نوعها، كما شهدت بذلك رسالة “حمدوك”. وبالرغم من أفريقية القوات والنص في قرار الإنشاء على أن تباشر البعثة تفويضها “دون المساس بمسؤولية حكومة السودان”، ظل السودان يعتبر وجود (يوناميد) طعناً في السيادة وشوكة في الخاصرة ما دامت مفوضة تحت الفصل السابع. وعمل جاهداً لإنهاء ولايتها بأعجل ما يتيسر.
​في عام 2017 تولدت قناعة لدى دوائر المنظمة الأممية بأن دارفور “قد انتقلت من مرحلة الحرب إلى مرحلة البناء وإعادة البناء والتنمية”. ومن ثم صدر في يونيو من ذلك العام قرار مجلس الأمن رقم (2363) القاضي بسحب حوالي نصف القوات خلال اثني عشر شهراً، على أن يسحب النصف الآخر تدريجياً بحيث تخرج البعثة نهائياً في 29 يونيو 2020. وقد شهدت بنفسي ترحيب المجتمع الدولي بإنهاء ولاية (يوناميد) عندما ترأست في27 سبتمبر 2018 وفد السودان للاجتماع رفيع المستوى حول دارفور الذي عُقد في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة. فباستثناء بريطانيا التي عبر ممثلها وزير الدولة اللورد “أحمد” عن موقف بلاده المتحفظ على إنهاء البعثة، والذي مثل خروجاً على الإجماع الدولي، عبرت كل الدول عن مساندتها للعملية وتأييدها الخطة المقرة لسحب القوات.
​بعد التغيير الذي حدث في 11 أبريل 2019، بدأ الموقف الدولي يتبدل تدريجياً تبعاً لتردي الأوضاع الأمنية بالبلاد عموماً ودارفور خصوصاً. ففي يونيو 2019 أعلنت الأمم المتحدة أن تسعة مواقع غادرتها قوات (يوناميد) قد آلت للدعم السريع. أثار ذلك الخبر ردة فعل عاصفة. وتم الاحتجاج على استمرار انسحاب (يوناميد) إذا كان ذلك يعني إخلاء مواقعها لتؤول، حسب ما قيل، لذات القوة التي وجدت (يوناميد) أصلاً لوقف اعتداءاتها على المدنيين. وعندما لم يستجب المجلس العسكري (حينها) لطلب إخلاء الدعم السريع لتلك المواقع أعلنت الأمم المتحدة إيقاف الانسحاب من المواقع الـ(13) المتبقية. في أغسطس 2019 أعلن “جان بيير لاكروا” مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس إدارة حفظ السلام التوقف عن إنفاذ التخفيض المقرر للقوات في نوفمبر ما لم تتحسن الأوضاع على الأرض. وكان ذلك إشارة واضحة إلى عدول الأمم المتحدة عن الاستمرار في الخطة المقررة.
في أواخر أغسطس 2019 تولى الدكتور “عبد الله حمدوك” منصب رئيس الوزراء. لم يعلن “حمدوك” حينها عن سياسة بشأن سحب بعثة (يوناميد). إلا أن “لاكروا” أوضح في أكتوبر أن “حمدوك” طلب منه الربط بين انسحاب قوات (يوناميد) وعملية السلام الجارية في جوبا. وقال إن “حمدوك” أبلغه أن الحركات المسلحة قد عبّرت عن انشغالات في هذا الخصوص تتلخص في معاودة الدعم السريع مهاجمة المدنيين. وأضاف “لاكروا” أنه إزاء هذا الوضع، سيتقدم بمقترحين لمجلس الأمن في ديسمبر 2019 هما إما أن تتم الاستجابة لطلب “حمدوك” جزئياً بسحب قوات (يوناميد) من ثمانية من المواقع المتبقية والاحتفاظ بخمسة مواقع في جبل مرة، أو أن يتم تجاهل الطلب وتمضي (يوناميد) قدماً في إكمال الانسحاب في الموعد المقرر. ما علاقة كل هذا برسالة “حمدوك للأمين” العام!
إن رسالة “حمدوك” تعلن تراجع السودان عن المطالبة بسحب (يوناميد) ودعوته بدلاً عن ذلك لجعلها نواة لقوة أممية جديدة يوسع نطاقها الجغرافي وتدخل في تفويضها عناصر إضافية. تطلب الرسالة أيضاً وضع كامل المنظومة الأممية (التي يتوقع أن تشمل قوات جديدة تنشر في مواقع أخرى من السودان بعد توقيع اتفاق السلام المرتقب) تحت قيادة موحدة يتولاها مبعوث خاص للأمين العام يكون على رأس بعثة سياسية خاصة مقرها الخرطوم.
إن البعثة السياسية الخاصة التي طلبها “حمدوك” تختلف عن بعثات حفظ السلام. والاختلاف بين بعثات حفظ السلام (التي تمثل القوات العسكرية أساسها) والبعثات السياسية (التي تركز على المهام السياسية مع كونها تتضمن أحياناً عنصراً عسكرياً) تعبر عنه ظاهرياً تبعية الأولى لإدارة حفظ السلام (DPK) في الأمم المتحدة، بينما تتبع الأخيرة للإدارة السياسة (DPA). وقد طَورت الممارسة الدولية المستقرة على مدى عقود كلا النوعين من البعثات رغم عدم ورود أي منها في ميثاق الأمم المتحدة. فولاية بعثات حفظ السلام تتجاوز مجرد مساعي الوساطة والتوفيق المنصوص عليها في الفصل السادس، لكنها لا تبلغ حد الاستعانة بالقوة العسكرية طبقاً للفصل السابع. ولهذا عندما سئل الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة “داك همرشولد” عند تشكيله أول بعثة لحفظ السلام في الكونغو عام 1960 عما إذا كان قد شكلها تحت الفصل السادس أو السابع، قال شكلتها تحت “الفصل السادس والنصف”. ومثلها مثل بعثات حفظ السلام تتولى البعثات السياسية الخاصة مهاما لم ترد في الميثاق كونها تتعلق بتسوية أوضاع داخلية. لذا فإنه لا علاقة للبعثات السياسية بالفصل السادس من الميثاق أو المهام الواردة فيه، ذلك أن الفصل السادس يختص بتسوية النزاعات الناشبة بين الدول (belligerency)، وليس النزاعات داخل الدولة الواحدة (insurgency). غير أنه بسبب تزايد النزاعات الداخلية واشتداد خطورتها وتوسع الاهتمام بحقوق الإنسان، وخاصة بعد أن أقرت القمة العالمية المنعقدة في 2005 مبدأ المسؤولية عن الحماية، خرجت الحروب الأهلية والانتهاكات المرتبطة بها من السلطان الداخلي للدول الذي لا تسوغ المادة 2(7) من الميثاق للأمم المتحدة التدخل فيه. لكن الميثاق ظل كما هو دون تعديل ولا يزال خالياً تماماً من أي فصل ينظم كيفية ممارسة الأمم المتحدة دورها في هذه الحالات. لهذا فإنه عندما يُنشئ مجلس الأمن بعثة سياسية أو حتى بعثة لحفظ السلام فإنه لا يشير إلى فصل معين تنشأ تحته تلك البعثة. هذا رغم أنه تتم الإشارة أحياناً إلى الفصل السابع في حالة تفويض مجلس الأمن البعثة سلطات محددة تتعلق غالباً باستخدام القوة دفاعاً عن النفس أو حماية للمدنيين. إلا أنه لم يحدث في تاريخ الأمم المتحدة الطويل أن أشار قرار لتأسيس بعثة لحفظ السلام أو بعثة سياسية أنها أنشئت تحت الفصل السادس. وحيث إن البعثات السياسية الخاصة تنشأ عادة في تعاون مع المنظمات الإقليمية (مثل الاتحاد الأفريقي)، وحيث إن تعاون مجلس الأمن مع المنظمات الإقليمية ينظمه الفصل الثامن من الميثاق، أضحت البعثات السياسية الخاصة تعرف ببعثات “الفصل السابع والنصف”. ذلك لأنه لم يُنص عليها في الفصل السابع وإن اعتمدت إجراءاته، ولم ترد في الفصل الثامن وإن مثلت أحياناً آلية لتنفيذه. وإذا نظرنا في القرارات المنشئة للبعثات السياسية العاملة في دول الجوار نجد أنها تتضمن تفويضاً تحت الفصل السابع على غرار ما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 2009 المنشئ للبعثة السياسية الخاصة في ليبيا، وقرار مجلس الأمن رقم(2448) الذي أنشأ البعثة السياسية الخاصة بأفريقيا الوسطى.
قلنا إن البعثات السياسية الخاصة لا تتضمن قوات لحفظ السلام. لكن فاعلية هذه البعثات، خاصة العاملة منها في تسويات ما بعد الحروب الأهلية أو الانتقال الديمقراطي، تفترض وجود بعثات لحفظ السلام. فبدون قوات حفظ السلام لا يتأتى للبعثات السياسية مراقبة وقف إطلاق النار وتنفيذ خطط نزع السلاح وجمعه وإنجاح برامج إعادة إدماج المقاتلين السابقين. ومن ثم تضمنت رسالة “حمدوك” الدعوة للعدول عن سحب (يوناميد) وتوسيع عملياتها “من حيث الحجم والنطاق” لتكون (يوناميد) أو البعثة التي تنشأ عليها هي بعثة حفظ السلام التي تساند البعثة السياسية. وجاء في الرسالة عدة إشارات تدل على هذا الفهم. وخطورة هذا الجانب من الطلب هي أنه يستبقي بعثة لديها تفويض تحت الفصل السابع كان السودان قد أوشك على إنهاء ولايتها.
إن الغرض الرئيس من هذا الطلب، فيما يبدو، هو إيجاد مركز للسلطة بالخرطوم توضع تحت تصرفه قوة أممية ضاربة تنهي احتكار الجيش السوداني والدعم السريع للقوة المسلحة في السودان. تعبر عن ذلك الفقرة قبل الختامية من الرسالة التي تقرأ: “والحكومة على استعداد للترحيب بالبعثة في أقرب وقت ممكن. وينبغي أن يُنشر تواجد أولي تحت قيادة الممثل الخاص للأمين العام الذي يتخذ من الخرطوم مقرا له”. فعبارة “يُنشر تواجد أولي” ترجمة لجملة (an initial footprint should be deployed) الواردة في الأصل الإنجليزي للخطاب. وكلمة “footprint” مصطلح عسكري ورد تعريفه في دليل تعريف المصطلحات العسكرية الذي تصدره وزارة الدفاع الأمريكية بأنه يعني:
(The amount of personnel, spares, resources, and capabilities physically present and occupying space at a deployed location)
أي “مقدار الأفراد وقطع الغيار والموارد والقدرات الموجودة بذاتها والتي تحتل حيزاً في موقع الانتشار”. ومن ثم فهذه العبارة اختيرت بعناية لتقديم دعوة لنشر قوة مسلحة بالخرطوم توضع تحت قيادة المبعوث الخاص المذكور. أما الغرض المطلوب من نشر هذه القوة على وجه السرعة فهو ليس بحاجة إلى توضيح. فالود مفقود بين القوات المسلحة السودانية والقوى المشكلة للحكومة الانتقالية منذ ملابسات فض الاعتصام، وحتى رفض المكون العسكري في المجلس السيادي تمديد حالة الطوارئ في يناير الماضي. وإذا كانت القوات المسلحة قد وفرت حماية للحكومة في الفترة الفائتة بسبب ما تمتعت به الحكومة من سند شعبي في أيامها الأولى، فإنه بعد أن تآكل ذلك السند سريعاً وأوشك على الانحسار تخشى الحكومة من أن يتراجع الجيش عن مساندتها، خاصة حين تنتهي ولاية “البرهان” ويتولى رئاسة المجلس السيادي أحد المدنيين. الغرض الثاني من الهيكلة المقترحة هو قصقصة أجنحة الدعم السريع. فإذا كانت الحركات المسلحة تخشى من أن يؤدي انسحاب (يوناميد) إلى تقوية الدعم السريع وسيطرته على دارفور، فإن إبقاء (يوناميد) ثم توسيع نطاقها ونشر قوات أممية في “كامل أراضي السودان” وتوسيع عملياتها “من حيث الحجم والنطاق” وتوليها مهمة “بسط سلطة الدولة” هي الوصفة السحرية لتفكيك الدعم السريع، ومن ثم تهدئة “انشغالات” الحركات المسلحة.
عند تعيين هذا الممثل الخاص سيكون مكتبه هو العنوان الأهم في الخرطوم، وليس القصر الجمهوري أو مجلس الوزراء. ولن يختتم أي وفد أجنبي جولته في الخرطوم إلا عند ذلك العنوان. أما حين تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة أو يلتقي القادة الأفارقة ويسافر الجميع إلى نيويورك أو أديس أبابا فإن الكلمة الأهم حول السودان التي سوف يصيخ لها الحضور أسماعهم هي التي يلقيها الممثل الخاص وليس كلمة رئيس الحكومة السودانية التي ستعتبر مجرد مداخلة لممثل إحدى الفصائل حتمها البروتوكول. هذا السيناريو ليس من نسج الخيال وإنما هو قياس على ما يحدث الآن في ليبيا المجاورة. “فغسان سلامة” رئيس البعثة السياسية الخاصة في ليبيا يملأ الشاشات وتلاحقه الأضواء حيثما حل، بينما لا يعرف إلا القليلون أن هناك رئيساً لليبيا بعد “القذافي” اسمه “فائز السراج”. أضف إلى ذلك أن نجاح البعثة السياسية الخاصة في حفظ أمن البلاد واستقرارها ليس مضموناً. بل دلت التجربة على أن غالب هذه البعثات تخفق في تحقيق أهدافها. ودونك فشل البعثات السياسية في ليبيا وأفريقيا الوسطى والصومال، التي تعالج مشاكل وتحديات تشبه ما نواجه. وفي تطاول أمد النزاعات في هذه البلدان، بعد أن دخلها الموظفون الدوليون الذين يتربحون من استمرار الأزمات، عبرة لمن يعتبر.
خلاصة القول، إن البعثة السياسية الخاصة التي طلبها “حمدوك” أمرٌ دبر بليل، فهي موجهة لعدو داخل المنظومة الحاكمة وليس خارجها، ومن ثم لم يسبق هذا الطلب تداول داخلي أو تشاور مع الشركاء الإقليميين (كالاتحاد الأفريقي) أو الدوليين كما هو معهود في مثل هذه الأمور. وهي بعثة تنشأ استباقاً لانسحاب (يوناميد) بل استبقاءً لها بغرض بسط ولاية الأمم المتحدة تحت الفصل السابع على البلاد كلها. بل هي بعثة تنشأ لوضع الخرطوم تحديداً تحت سيطرة القوات الأممية استقواءً على الجيش السوداني. وتمثل رسالة “حمدوك” طلباً غير مسبوق من رئيس وزراء دولة مستقلة ذات سيادة يدعو الآخرين للحَجر على بلاده، والحد من حريتها في ممارسة سيادتها والتصرف في شئونها. فغداً لن يكون أمر السودان بيد أحد بنيه. وإنما سيكون بيد “محمد حسن لباد”، أو “محمود درير”، أو أي ممن يمكن أن يعين مبعوثاً خاصاً، نلهث خلفه نستعطفه ونترجاه. ولم يُقدم هذا الطلب لأن البلاد قد دهمها خطر أجنبي ماحق، وإنما استنصاراً من قوى سياسية سودانية على أخرى سودانية مثلها. وينسى مقدمو الطلب أو لا يدركون أن المجتمع الدولي ليس منظمة خيرية. فعندما تحل هذه البعثات بأرض تأتي معها بأجندة لبلدان وقوى كثيرة. حينها لن تكون هناك فرصة لتنفيذ أي أجندة وطنية سودانية. وحينها سيضيع الوطن كله ويصبح الجميع فيه غرباء. وحينها لن يكون قرار إنهاء وجود البعثة الجديدة بيد من طالبوا الآن بإدخالها، أو بيد أي سوداني آخر.