رأي

فنجان الصباح..

أحمد عبدالوهاب

في سيرة الملازم أول معاش!!

للشهرة ثمنها.. وللبطولة أيضاً.. ولا تكتمل البطولة عند الأستاذ “العقاد” إلا بالاستشهاد.. لكن “صلاح أحمد إبراهيم” يعطي الشهادة تفسيراً إضافياً.. فعنده أن (البقاء بالحياة.. أحياناً.. بطولة بذاته) ..
قرار كبير. وخطير أن تقرر ركوب الأهوال.. أو أن تقتحم الأخطار لتكون بطلاً.. إن كل من أقدموا على هكذا خطوة، توقعوا الكثير.. ودفعوا إثماناً عالية.. وسددوا ضريبة الفداء عالية..
ولولا المشقة ساد الناس كلهم.. الجود يفقر والإقدام قتال..
إن ثمة مدرسة في الفداء، وضع حجر أساسها نفر كريم يعدون على أصابع اليد الواحدة، انحازوا في ساعة الصفر للإمام “الحسين عليه السلام”، يوم كربلاء.. قلبوا لجيش “يزيد” ظهر المجن، وقد كانوا مجرد قطرة في مواجهة بحر من السيوف المواضي والخيل المسرجة والرماح.. كانوا يعرفون أنهم يرسمون أسماءهم بأحرف من نور.. كانت الشهادة مضمونة لهم، في مواجهة انتصار مستحيل.. إلا انتصاراً بطعم الشهادة في جوار الإمام، سيد شباب الجنة.. وأي انتصار أعظم وأكرم من الفوز بقبلة على جبين “الحسين عليه السلام “، وذرف دَمعات على كتف ذلكم السبط السعيد.. يطلب الفارس من الإمام العفو والدعاء له بالشهادة.. ونيل السعادة.. ويندفع يقاتل دون الإمام وآل البيت الكرام، حتى الرمق الأخير..
كثيرون فدوا مبادئهم بأرواحهم، ومهروها بدمائهم..
في سيرة الملازم أول( م) “محمد صديق” الضابط بالقوات المسلحة، ضجت منصات التواصل أول من أمس.. وقد اعتبره الثوار بطلاً فقد كان على أيام الاعتصام، في محيط قيادة الجيش إيقونة عسكرية.. إنه بنظر المعتصمين أمس وغداً (بطل) كبير.. وهي نظرة ربما تؤتي ثمارها في المستقبل إذا تغيرت قواعد اللعبة.. وقد لا تؤتي ثمارها للأسف حتى إن وصل المعتصمون أنفسهم إلى السلطة.. إن شعارات الاعتصام شعارات ثورية، تمحوها نهارات الشرعية..
إن ما أقدم عليه الملازم أول “محمد صديق” بطولة بنظر الثوار.. وجريمة كاملة بنظر المؤسسة العسكرية.. البطولات في الجيوش تكتسب من خلال تنفيذ الخطة لا مخالفة التعليمات.. حساب الحقل الثوري لا ينطبق دوماً، مع حساب البيدر العسكري.. ومن أراد بطولة خارج الضبط والربط، فعليه أن يخلع البزة العسكرية.. إن للجيوش في الدنيا كلها تقاليدها الصارمة.. وأي مخالفة للأوامر، هي تمرد يضع صاحبه تحت طائلة القانون العسكري الصارم..
في أخريات عهد مايو عثر ضابط بجهاز استخباراتي على وثائق تدين الحكومة، بتهمة تهريب يهود الفلاشا إلى إسرائيل.. ظن الضابط أنه قد عثر على كنز ثمين.. يمكنه به إسقاط نظام “النميري” القوي.. وهكذا حجز الرجل مقعده على أول طائرة، لأقرب عاصمة عربية.. وقبل أن يكمل إجراءات الدخول كانت طائرة سودانية، يقودها كولونيل طيار، تهبط في مطار المدينة، وتطلب تسليمها الضابط الهارب من الخدمة.. وبالفعل عادت به الطائرة أدراجها لمطار الخرطوم.. بعد أن طبق خطة عقيمة هي وساقية جحا العسكرية سواء .. وأما بقية القصة فقد سقط “النميري”.. ولكن سقوط “النميري” لم يكن رافعة للضابط أعلاه بالضرورة.. ولم يجد للأسف حتى من يقول له (كتر خيرك) حتى في زمان الانتفاضة.. إن للجيوش ضبطاً وربطاً ونظاماً.. وإذا فقدت هذه الميزة.. فهي نسخة بالكربون من مدرسة المشاغبين..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق