ربع مقال

 زاهدون في الدنيا

خالد حسن لقمان

خرج “الحجاج بن يوسف” إلى الصحراء، وعسكر بتابعيه فيها، ثم طلب من تابعيه أن يأتوا من الخلاء بأحد ليتغدى معه،  فلم يجدوا غير أعرابي في شملة فأتوا به.. فقال الحجاج مشيراً للطعام: (هلم يا رجل).. قال الرجل: (دعاني من هو أفضل منك) قال الحجاج: من؟.. قال الرجل: الله فأنا صائم.. قال الحجاج: في مثل هذا الحر؟.. قال الرجل: صمت ليوم أحر منه.. قال الحجاج أفطر اليوم وصم غداً.. قال الرجل: أو يضمن لي الأمير العيش إلى الغد.. قال الحجاج: لا، فقال الرجل: فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تضمنه؟.. قال الحجاج: إنه طعام طيب.. قال الرجل: والله ما طيبه خبازك ولا طباخك ولكن طيبته العافية.. قال الحجاج: أخرجوه عني والله ما رأيت كهذا أبداً..

قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

وعن “عمرو بن عوف” رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) رواه البخاري.

ودخل رجل على أبي ذَر رضي الله عنه في منزله فجعل يقلب بصره في البيت، ثم قال: أين متاعك يا يا أباذر ليس في بيتك متاع.. قال له أبوذر: إن لنا بيتاً نوجه إليه صالح متاعنا..

وقال شاعرهم:

لا تركنن الى الدنيا وما فيها ..

فالموت لا شك يفنينا ويفنيها..

وأعمل لدار غدٍ رضوان خازنها

والجار أحمد والرحمن ناشيها

قصورها ذهب والمسك طينتها

والزعفران حشيش نابت فيها