بكل الوضوح

لفت انتباه الحُكام في زمن الغفلة

عامر باشاب

{ في هذه الأيام العصيبة التي تعاني فيها بلادنا الكثير من الأزمات والمحن يجب أن نزيد من الاطلاع والتوقف عند الأحاديث أو قصص السلف الصالح، خاصة تلك التي تحثنا الاهتداء والاقتداء بهدي الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة واتم التسليم، ومن الحكايا التي تحثنا على محاسبة النفس في كل صغيرة حتى لا يكون الانتباه في عدم الوقوع في الآثام الكبيرة.
{ وفي واحدة من القصص التي تحكي عن عظمة الصحابي الجليل (ثاني اثنين) رفيق نبي الرحمة سيدنا “أبو بكر الصديق” يقول الراوي كان لسيدنا أبو بكر الصديق مملوكاً.. يعمل.. ويشتري طعاماً كل يوم.. وفي إحدى الليالي أتاه بطعام.. فتناول “الصديق” منه لقمة.. فقال له المملوك: مالك كنت تسألني كل ليلة عن الطعام.. ولم تسألني الليلة.
قال: ملني على ذلك الجوع.. فمن أين جئت بهذا..؟
قال: مررت بقوم في الجاهلية.. فتكهنت لهم.. ولا أحسن كهانة.. فوعدوني بأجرة.. فلما آن كان اليوم مررت بهم.. فإذا عرس لهم.. فأعطوني هذا الطعام.. فقال أبو بكر: أف لك.. كدت تهلكني.
فأدخل يده في حلقه.. فجعل يتقيأ.. وجعلت لا تخرج..
فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء..
فدعا بطست ماء فجعل يشرب.. ويتقيأ.. حتى رمى بها..
فقيل له: يرحمك الله ‍!! كل هذا من أجل هذه اللقمة؟!!
فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها..
سمعت رسول الله يقول:
(كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به).
فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة..
أما القصة أو الرواية الثانية التي تبين عظمة محاسبة النفس فبطلها.. الفاروق “عمر بن الخطاب”
ويُحكى أن حاكم (الشام) بعث لأمير “ابن الخطاب” كميات من الزيت.. ليبيعه ويجعل المال في بيت مال المسلمين.. فما كان من “عمر” إلا أن شرع في إفراغ عبوات الزيت لعامة الناس.. وكان كلما فرغت قِربة من قِرب الزيت.. قلبها ثم عصرها وألقاها بجانبه.. وكان بجواره ابن صغير له.. فكان الصغير كلما ألقى أبوه قِربة من القِرب أخذها ثم قلبها فوق رأسه حتى يقطر منها قطرة أو قطرتين.. ففعل ذلك بأربع قِرب أو خمس فانتبه إليه “الخطاب” فجأة.. فإذا شعر الصغير حسنٌ.. ووجهه حسن.. فقال: أدهنت؟ قال: نعم.. قال: من أين؟ قال: مما يبقى في هذه القرب.. فقال عمر: إني أرى رأسك قد شبع من زيت المسلمين من غير عوض.. لا والله لا يحاسبني الله على ذلك.. ثم جره بيده إلى الحلاق وحلق رأسه.. خوفاً من قطرة وقطرتين..
{ هذه القصص القصيرة في مساحتها والكبيرة في معناها تحكي عظمة اثنين من أعظم الخلفاء الراشدين الذين حكموا الدولة الإسلامية بقيم العدل، فهل نجد من حكامنا اليوم من يسير على نهجهم في محاسبة النفس على كل صغيرة، والحرص الشديد على عدم التعدي على المال العام.
{ انتبهوا واعتبروا أيها السادة بمثل هذه القصص النبيلة في زمان ساد فيه الفساد.