شهادتي لله

آخر سنوات “البشير” (6)

• من العام 2000م ، بُعيد المفاصلة والإطاحة بالشيخ “الترابي”، وانتقاله إلى خانة زعيم المعارضة، وإلى العام 2005م، ظلت قيادة الدولة السياسية والتنفيذية موحدة وقوية بلا خلافات لا في الحزب ولا في الدولة . كان القرار يصدر بشكل أساسي عن ثلاثة أشخاص هم الرئيس “البشير”، ونائبه الأول الأستاذ “علي عثمان محمد طه” وأمين عام المؤتمر الوطني الحاكم البروفيسور”إبراهيم أحمد عمر” . وكان هناك تناغم كبير بين الثلاثة الكبار، فالرئيس ظل إلى آخر أيام حكمه في أبريل 2019م يثق ثقة مطلقة في بروف “إبراهيم”، كما ارتبط شيخ “علي” بعلاقة ود واحترام متبادل قديمة بشيخ”إبراهيم” ، وكان “علي” يزور “إبراهيم” كثيراً في بيته المتواضع بحي “القلعة” بأم درمان القديمة – محطة “مكي ود عروسة” ، حسب ما يسميها أهل (البقعة) القدامى ومنهم جدتي لأمي “فاطمة مصطفى” المولودة في “ود أرو” ، رحمات الله عليها ورضوانه . حدثني أحد أصهار بروف “إبراهيم” أن “علي” عندما كان يزورهم كان الرجلان يغلقان عليهما الصالون العتيق لساعات . وهذه الرواية تتسق تماماً مع شخصية “علي عثمان” شديدة الحرص والحذر . لم يكن يتكلم في شؤون السياسة (على راحته) في أي مجلس خاص إذا لم يكن على معرفة تامة وثقة في جميع الحاضرين. على نقيض ذلك ، كان “الترابي” رحمه الله، منفتحاً ومنبسطاً ويرسل الكلام كيفما أراد، دون تحسب أو معرفة بمن يجالسه ، خاصةً بعد أن بلغ به الغضب والحنق على تلاميذه مبلغاً بعد المفاصلة . في صيوان عزاء أستاذنا الكبير “محمود أبو العزائم” بالحارة الأولى بمدينة “الثورة” في العام 2008م ،كنتُ جالساً إلى جوار الشيخ “الترابي” بطلب من ابن المرحوم الأخ الأستاذ “مصطفى أبو العزائم” ،وكنا نعمل معاً في صحيفة (آخر لحظة)، وقد شهدت أم درمان وقتها أحداث غزوة حركة “العدل والمساواة” ، وسرت وقتها شائعة تقول إن “خليل إبراهيم” مختفٍ في الحارة الأولى ، قريباً من موقع العزاء !! أردتُ استدراج (الشيخ) للحديث السياسي ، وأعرف أنه لا يحتاج مني لكثير جهد حتى يتكلم، قلتُ له :(يُقال إن قوات خليل التي دخلت أم درمان مدعومة من الرئيس التشادي “إدريس ديبي” ؟!) . قال لي دون تردد 🙁 “إدريس ديبي” أم “القذافي” ؟! .. جماعتكم ديل بخافوا من ‘القذافي” .. ما بقدروا يقولوا الحقيقة)!! في اليوم التالي حضر للعزاء مدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق أول “صلاح قوش” مع نائبه الفريق “محمد عطا المولى” في رتل من سيارات الحراسة المشددة ، وكان كل منهما يمتطي سيارة “بي أم دبليو” بلون مختلف. وكان الرئيس ‘البشير” قد شهد -كعادته- مراسم دفن المرحوم”أبو العزائم” في مقابر “أحمد شرفي”.
• خلال الخمس سنوات التي تلت المفاصلة، شهدت الدولة استقراراً سياسياً واقتصادياً كبيراً ، فقد تزايدت معدلات إنتاج النفط في السودان حتى بلغت أكثر من (450) ألف برميل يومياً ، من حقول الجنوب والشمال . شارك “البشير”و”الترابي” في احتفال تصدير أول باخرة نفط سوداني من ميناء “بورتسودان” في العام 1999 ، لكن “الترابي” للأسف لم يكن جزءاً من الدولة بعد أشهرٍ قلائل من ذلك الاحتفال .
• أفلح وزير الطاقة والتعدين الدكتور “عوض أحمد الجاز” في تحقيق إنجاز اقتصادي كبير عجزت عن تحقيقه كل الحكومات الوطنية منذ إعلان الاستقلال . ورغم تصاعد الآمال الشعبية منذ منتصف (سبعينيات) القرن الماضي، خلال حكم الرئيس الأسبق “جعفر محمد نميري” بقرب استخراج البترول ، حتى أننا كنا ونحن تلاميذ بالمدارس الابتدائية (الأساس) نسمع عبر الإذاعة والتلفزيون أناشيد وأغانٍ في المناسبات الوطنية تبشِّر بالبترول السوداني، حيث كانت تعمل شركة (شيفرون) الأمريكية على الاستكشاف في مناطق بغرب كردفان وجنوب السودان ، إلاّ أن الشركة غادرت البلاد بعد اندلاع الحرب عام 1983م ، ولم تستخرج نفطاً لا في عهد “النميري” ، ولا في عهد حكومات السيد “الصادق المهدي” الائتلافية المضطربة في فترة الديمقراطية الثالثة من العام 1986 إلى العام1989م .
• استطاع “عوض الجاز” بدعم الرئيس ونائبه الأول، ورغم استمرار الحرب في مناطق واسعة بالجنوب، أن يكسر الحصار الأمريكي -الأوربي ويتجاوز العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ العام 1997م ، بإقناع حكومات “الصين” و”ماليزيا”و”الهند” وشركة “كندية”(انسحبت لاحقاً تنفيذاً للعقوبات) على الاستثمار المشترك (كونسورتيوم) في مشروع النفط بالسودان في مربعات مختلفة .
• مصالح “الصين” في البترول السوداني أضعفت العقوبات الأمريكية كثيراً ، فلم يكن لها أثر مع حصول حكومة السودان على مئات الملايين من الدولارات (شهرياً) .واستقرت قيمة الجنيه السوداني لنحو (10) سنوات ، فتراوح سعر الدولار مقابل الجنيه في السوق السوداء من (جنيهين) فقط إلى (خمسة) جنيهات لا غير ، على مدى عقد كامل !!
• انتعش الاقتصاد الوطني بصورة غير مسبوقة ، وبدت على المجتمع السوداني بمختلف طبقاته مظاهر الترف والنعمة،وقامت في الخرطوم مدن جديدة ومربعات ومخططات وتسابق السودانيون في البنيان، وشيدت الدولة مئات المشروعات التنموية والخدمية من طرق وكباري وسدود (سد مروي) ، ومطارات ولائية (دنقلا ،مروي ، نيالا ، الفاشر، كسلا ، الأبيض والجنينة)،ومستشفيات ومدارس وجامعات في كل ولايات السودان .
• كان الجنيه السوداني يساوي (4) جنيهات مصرية حتى العام 2010 ، وكان المصريون مندهشون لهذه النقلة الاقتصادية الهائلة في السودان ،كنتُ كلما استقليتُ تاكسياً ذات زيارة لـ”القاهرة “، يبادرني السائق بعد رد السلام :(هو صحيح الجنيه السوداني بأربعة جنيه مصري ؟!) .. سمعت هذا السؤال كثيراً خلال رحلاتي إلى المحروسة ، مع أن الاقتصاد المصري كان في أفضل أحواله ، إذ لم يتجاوز سعر الدولار (6) جنيهات مصرية قبل ثورة يناير عام 2011 م.
• نواصل غداً .

الهندي عزالدين

شهادتي لله

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
error: المحتوى محمي