شهادتي لله

آخر سنوات “البشير” (8)

انتقلت قيادة وفد الحكومة لمفاوضات السلام من مستشار الرئيس للسلام الدكتور “غازي صلاح الدين” إلى النائب الأول للرئيس الأستاذ “علي عثمان محمد طه” في مطلع سبتمبر 2003م ، وشهدت العاصمة الكينية “نيروبي” أول لقاء جمع بين النائب الأول وزعيم الحركة الشعبية “جون قرنق” بترتيب من وزير الخارجية الكيني الذي أصبح لاحقاً نائباً للرئيس “كالنزو مسيوكا”.
انخرط “علي عثمان” يعاونه فريق الحكومة في جولات طويلة وعسيرة من المفاوضات مع وفد الحركة الشعبية ، و ظل متنقلاً بين ضاحية (نيفاشا) الكينية والخرطوم لنحو عامين من الزمان أبرم خلالهما بروتوكولات السلام على مراحل وجولات متلاحقة، وانتهى المشوار بتوقيع الحكومة والحركة على اتفاقية السلام الشامل في التاسع من يناير عام 2005م .
ذهب “علي عثمان” إلى كينيا قوياً ومسيطراً على مفاصل القرار في الحزب والدولة ، فعاد بعد عامين بين حضور وغياب ، ليجد أن الأشياء لم تعد هي الأشياء ، صعدت أسماء إلى واجهة الفعل السياسي واقتربت أكثر من الرئيس ، فباشر معها قيادة الدولة والمؤتمر الوطني دون حاجة إلى وجود شيخ “علي” أو حتى مشاورته !!
أضر غياب النائب الأول بنفوذه كثيراً ، تماماً كما جرى مع مدير مكتب الرئيس الفريق “طه عثمان الحسين” عندما انشغل برحلات طويلة وكثيرة إلى “الرياض” و”أبوظبي” في عامه الأخير في خدمة الرئيس “البشير” في الفترة من 2016 إلى 2017م.
وصل شريك السلام “جون قرنق دي مبيور” الخرطوم وأدى القسم نائباً أول لرئيس الجمهورية في التاسع من يوليو عام 2005م . لم يكمل “قرنق” ثلاثة أسابيع في القصر الجمهوري، فغادر إلى يوغندا في زيارة ما زالت دواعيها وتفاصيلها غامضة حتى اليوم ، لم يستقل “قرنق” طائرة الرئاسة السودانية من مطار الخرطوم باعتباره المسؤول الثاني بالدولة، ولم يسافر إلى “عنتيبي” وفق قواعد البروتوكول وإجراءات الحراسة المتبعة في زيارات الرئيس ونائبيه خارج البلاد . تحطمت طائرة “قرنق” وهي مروحية تابعة للرئاسة اليوغندية، بعد دخولها الأجواء السودانية في طريق عودته ليلاً إلى الجنوب !! لقي “قرنق” مصرعه ، تناثرت أشلاء ركاب الطائرة قرب منطقة “نيو سايت” أحد معاقل الحركة الشعبية وذهب الصندوق الأسود إلى لجنة تحقيق دولية ،وماتت الأسرار مع موت الراحل الكبير .
بغياب “قرنق” عن المشهد ، تلقى “علي عثمان” اللطمة الثانية ، فبعد أن تراجع مركزه السياسي بفعل تجاذبات قادة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية أثناء مفاوضات السلام ، مع وضد تفاصيل اتفاق (نيفاشا) ، وذكرت وزيرة التعاون الدولي النرويجي وسيط السلام “هيلد جونسون” في كتابها عن خفايا المفاوضات، أن “علي عثمان” قال لها : (إن المفاوضات التي دخلها في الخرطوم داخل المؤتمر الوطني أصعب من المفاوضات في نيفاشا) وفي حديثه إشارة واضحة إلى نمو مراكز قوى داخل الحزب في مواجهته !!
وكان الاختفاء المفاجئ والصادم لشريكه في مشروع السلام بمثابة صدمة كبيرة هزت قواعد البنيان الشامخ الذي شيده على مدى عامين كاملين في المنتجعات الكينية.
قفز “سلفاكير ميارديت “على مقعد رئيس الحركة الشعبية، دون سابق إنذار ، ولم يكن في حسبان فريق الحكومة لمفاوضات السلام التعامل مع هذا المتغير الذي نسف كل الخطط والأفكار المصممة على شخصية “قرنق” الوحدوية الطامحة إلى رئاسة دولة سودانية واحدة موحدة .
ظهر وجه “سلفاكير” الانفصالي منذ أيامه الأولى في القصر ، وظل يحتجب في “جوبا” لأسابيع ، غير مبالٍ بمنصبه كنائب أول لرئيس جمهورية السودان . انسحب “سلفا” بالحركة الشعبية جنوباً ، فيما تولى أمين عام الحركة “باقان أموم” ونائبه لقطاع الشمال”ياسر عرمان” مهمة (التغطية) على الانسحاب بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع في الشمال ، بافتعال مشاكل سياسية مستمرة مع شريكهم في الحكومة (المؤتمر الوطني) . وعبأت قيادة الحركة قواعد الجنوبيين بجرعات كراهية مكثفة للشمال ، طوال الستة أشهر السابقة للفترة الانتقالية ، وقد تجلت إفرازات صناعة الكراهية في مشهدين ، الأول يوم استقبال “قرنق” بالساحة الخضراء وما صاحبته من عمليات اعتداء غريبة وغير مبررة على عامة الشماليين في مناطق محيطة بموقع الاحتفال ، والثاني يوم إعلان مقتل “قرنق ” في 30 يوليو 2005م ، ويومها خرج عشرات الآلاف من الجنوبيين إلى شوارع الخرطوم يحملون الأسلحة البيضاء ، يفتكون بالشماليين أينما وجدوهم ، فسقط عشرات الضحايا ومئات الجرحى، دون ذنب جنوه ، والسبب اعتقاد خاطئ وشائعة (مصنوعة) في مطابخ الحركة تحت إشراف (غربي) سرت بكثافة في أوساط الجنوبيين بأن الحكومة السودانية وليس اليوغندية هي المسؤولة عن اغتيال “جون قرنق” !! في اليوم التالي تسلح الشماليون في الأحياء السكنية بالسلاح الأبيض وفعلوا بالجنوبيين ذات ما كان بالأمس من عدوان دموي آثم !!
كلما تعرض السلام لمطلبات وأزمات ، تغيرت موازين القوى داخل المؤتمر الوطني ، وعلا صوت ومركز التيار المناوئ لاتفاق السلام .
صعد نجم الدكتور “نافع علي نافع” وأصبح رجل الدولة الأقوى والأقرب للرئيس ، بعد أن كان يدين بالولاء والاحترام والتقدير لـ”علي عثمان” . وأذكر أنني هاتفتُ “نافع” عام 2004م أثناء وجوده في مفاوضات (نيفاشا) وكنتُ مديراً لتحرير صحيفة (الأنباء) ، أسأله عن سير المفاوضات ، فرد علي قائلاً بالنص : (أنا بره الجلسة .. لكن “شيخ علي” كان مجتمع مع “قرنق” قبل شوية .. أديك “الدرديري” عندو تفاصيل أكتر) !! وكان وزير الخارجية السابق السفير “الدرديري محمد أحمد” قائماً بأعمال سفارتنا في “نيروبي” وعضواً مهماً في وفد الحكومة .
كان “نافع” يسميه (شيخ علي) في 2004م ، فصار “علي” من غير (شيخ) في 2007م !!

الهندي عزالدين

شهادتي لله

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق