جرس انذار

ذكاء الجيش في موكب الملازم “محمد صديق”

عادل عبده

القراءة العميقة والرؤية الفاحصة حول نتائج النزال الصاخب في موكب رد الجميل للملازم “محمد صديق” بين الجيش وقوى الحرية والتغيير حول معرفة من كسب ومن خسر ومن خرج من الفخ يتدثر بالسلامة، تقود تلك القراءة إلى ظهور دهاء الجيش وابتعاده عن نار الحريق التي انعكست في استخدام العنف المفرط في التظاهرة الكبيرة التي جرت في شوارع الخرطوم خلال الأيام الفائتة، لقد كانت تظاهرة هادرة مليئة بالحماس والاندفاع، تفتقر إلى القائد الميداني كأنها تحرك شعبي غير مشروع، علاوة على ذلك فقد أعطى إخراجها انطباعاً قوياً كأن الملازم “محمد صديق” (قحتاوي) في هيئة ضابط بالقوات المسلحة، رغم وجود عدد من زملائه في السلك العسكري قد شملهم قرار الإعفاء من الخدمة.
من الواضح أن الدافع الأساسي لقيام هذه الاحتجاجات الواسعة إنها انبنت على أحلام (قحت) حول هيكلة الجيش وإعادة بناء مفاصله على أسس جديدة تتماهى مع تصور (قحتاوي) في المستقبل، فكانت هذه الاحتجاجات بمثابة تمرين اختباري حول إمكانية اختراق تحقيق هذا الهدف البعيد، وعطفاً على هذه المعطيات ربما تمثل هذه التظاهرة فخاً كبيراً حول قدرة (قحت) في الظفر بما تريد حول رؤيتها في جيش السودان خلال المستقبل.
من المنطق أن هذه القضية أصلاً لم تكن تحتاج لمثل هذا التفكير المفخخ في هذا الجو الضاغط الذي تعيشه الفترة الانتقالية، حيث إن مطالب الثوار بإرجاع الملازم “محمد صديق” إلى الخدمة لم تكن خطوة تتسق مع التعقل والحكمة، وذلك لاستحالة التجاوب معها باعتبارها مطلباً حساساً إذا وجد القبول فإنه يشكل ضربة على كرامة القوات المسلحة وقدسيتها وتقديرها للقوانين واللوائح التي تحكم مسارها.. ودائماً الأجندة الخطيرة والمدمرة في القضايا الإستراتيجية والحساسة تعود ويلاتها وخسائرها على استقرار الوطن وراحة أهله.
فالشاهد أن الجيش لم يشرب المقلب، حيث قام بإغلاق الطرق المؤدية إلى المناطق العسكرية، وسد الشوارع التي تؤدي إلى المباني السيادية، فضلاً عن أنه تجنب الالتصاق والتعامل المباشر مع المتظاهرين، وتحاشى التحرشات التي بدرت من بعض الثوار في شوارع البرلمان والجامعة والبلدية وبعض الشوارع الفرعية.. مما يدل على قدرته في ضبط النفس وإرجاع الكرة الهجومية إلى منصة انطلاقها.. وفي السياق نتج عن هذه التظاهرة الخطيرة التي أدت إلى حدوث إصابات واسعة بين المتظاهرين وبعض رجال الشرطة قيام تحقيقات من الجهاز التنفيذي والنيابة العليا، حيث لم يكن الجيش في خانة الاتهام الذي انحصر في الشرطة وثلة من الثوار الذين قاموا بإتلاف وتكسير بعض الممتلكات الخاصة.
استطاع الجيش أن يتفادى الوقوع في الوحل من خلال منهج اتسم بالبراعة والذكاء في الجو الملتهب الذي ساد التظاهرة الكبيرة، علاوة على ذلك اعتبر كشوفات الإحالة للمعاش شأناً داخلياً يخص المؤسسة العسكرية وحدها، ولا يجوز لأي جهة التدخل في هذا الأمر.. مهما يكن فقد كان هنالك فخ مدبر في ثنايا الهتافات الصاخبة من أفواه ربما تكون بريئة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
error: المحتوى محمي