رأي

قالوا : عن “هاشم صديق” ثروة قومية لابُد من توظيفها

 بقلم : صلاح شعيب

كُنّا محظوظين جداً أن عاصَرْنا مُنْذ النصف الثاني من الثمانينيات المشروع الإبْداعي للأستاذ “هاشم صديق”، ورغم الارتباط القوي بينه وغناء “عركي”، إلّا أنه كان مؤسسة ثقافية بحالها.
كُنّا نقرأ له في صحيفة (الأيام) نقده لأعمال الموسم المسرحي الذي كان نشطاً حينذاك، ولا تخفى إسهاماته الأكاديمية من خلال معهد الموسيقى والمسرح الذي أفنى فيه زهرة شبابه أستاذاً، ومسؤولاً عن قسم النقد، تخرج على يديه عدد هائل من تلاميذه الذين ملكوا ساحة الدراما، والشعر، والمسرح.
وفي مجال الشعر الغنائي تجوهرت تجربته مُذْ كان طالباً، إذ كانت باكورته “الملحمة” قد أرَّخَت بشكل أسطوري لثورة أكتوبر، ثم امْتَد تعاونه مع “محمد الأمين” عبر طائفة مميزة من الأغنيات، كما كان له روائع مع “عركي”، و”سيد خليفة”، و”صلاح بن البادية”، و”مصطفى سيد أحمد”، و”عبد القادر سالم”، وآخرين.
وعند عتبات المسرح كانت “نبتة حبيبتي” إحدى المسرحيات التي يعدها النُقّاد بأنها فارقة في تاريخ التحديث في هذا المجال، وفي الإذاعة كان بديعاً في الدراما، بدءاً من “قطر الهم”، ومروراً بمسلسل “طائر الشق الغريب”، ومسرحية “وجه الضحك المحظور” التي عرضت بعد عشرين عاماً من عرض عمله الأول، وفضلاً عن ذلك كان ممثلاً، ومخرجاً، وفي فترات كان يثري الصحافة بمقالات عن الإبداع، وأذكر تجربتنا معه عبر صحيفة (ظلال)، إذ رشحته كاتباً، واستمر معنا حتى توقفت الصحيفة، وكان مقاله موشحاً بالرمزية ضد السُلطة تارةً، ومعمقاً بمعرفته الموسوعية تارةً أخرى، وهناك أيضاً مساهماته عبر البرامج التي قدمها للإذاعة، وكذلك التلفزيون، إذ كان برنامج “دراما ٩٠” آخر معرفتنا بإسهامه في هذا المجال.
نحن إذن إزاء رمز إبداعي، أدواته الإبداعية متعددة، وقريحته مهمومة بالتحديث، والإنسان، والوطن، وغايته جعل فنه مُتَّسقاً مع متطلبات الحريات العامة، ومواقفه تنحو إلى الاستنارة، ومقاومة أشكال الأنظمة الاستبدادية التي حكمت بلادنا، ولهذا تظل مواقف “هاشم صديق” مشهودة في مقاومة الديكتاتوريات الثلاث.
-٢-
الحقيقة أن “هاشم” منذ أن كان طالباً في زمن سُلطة نوفمبر عُرِف بدوره الوطني حتى انتصرت ثورة أكتوبر فأرخ لها بالنشيد.
وفي مايو تعرض للاعتقال، وهو عائد من الخارج، وقضى وقتاً ثم أُفرج عنه.
وعندما حلت طغمة يونيو عارضها “هاشم صديق” بلا هوادة، وضَيّقت عليه السلطة أبواب العمل، وأذكر أنه في منتصف التسعينيات تم فصله لتجاوز أيام إجازته بأقل من أسبوع، وذلك إبان عمادة الراحل “أحمد عبد العال” ليفقد المعهد واحداً من أساتذته المخلصين، ولم يشفع له تاريخه الأكاديمي المُشرِّف في المحافظة عليه كثروة أكاديمية، ولعله مُنْذ ذلك الزمن ظلّ بلا عمل، بينما يتعرض للمعاكسة من “رجال كل العصور” كما يسميهم، مهما حاول أن يجد منفذاً للإسهام الإبداعي عبر القنوات الإعلامية.
شاهدت “هاشم صديق” في فيديو قبل أيام، وهو جالس في كرسي، مخاطباً جمعاً من الثائرين، وقد أكد في كلمته أنه ما يزال قادراً على العطاء رغم ظروف المرض. وحَثَّ على أهمية توفر المناخ الصحي الذي يجعل الفعل الثقافي متراكماً. وأشار إلى أن مؤسساتنا الثقافية والإعلامية ما تزال ممتلئة بالذين آذوا الشعب السوداني. وهناك مبلغ من الدهشة أننا لم نُعِد الاعتبار حتى اللحظة لـ”هاشم صديق” برغم ما قَدّم للبلد التي لم يغادرها، وصبر على كل مآسي الثلاثين عاماً.
رجلٌ مثله ينبغي أن يجد التقدير من المعنيين بالأمر، وأن يسجل المسؤولون زيارة إليه في منزله اعترافاً بفضله، وأن يجد عرضاً لطلب الاستشارة برأيه، خصوصاً أن تجربته مديدة في كل المجالات التي ساهم فيها.
بل ينبغي أن يُخير ما دام قادراً على العطاء حول الدور الذي يريد أن يضطلع به حتى يصدر مجلس الوزراء قراراً بتعيينه في أي محفل يستطيع إدارته. هذا الأمر ضروري بضرورة توظيف كفاءته، وواجب بوجوب حفزه على الإبداع.
إن “هاشم صديق” ثروة، ونحتاج إليه في إصلاح مؤسساتنا الأكاديمية، والثقافية، والإعلامية، والفنية، وثقتنا أنه سيضاعف إبداعه في أي مجال يختار العمل فيه.
-٣-
“هاشم صديق” إنسان صادق، وجاد، ووطني، في كل تاريخه الفني. قدم الكثير للوطن، ولم يجد من سلطاته السياسية المتعاقبة إلّا المعاكسة عوضاً عن التكريم. وما دامت الثورة أتت لتحقيق الإصلاح الشامل فينبغي أن نوظفه إبداعياً لتحقيق هذا الشعار، سواء من خلال دوره في قيادة المؤسسات الثقافية المتعددة، أو عبر الاستفادة منه كمستشار للوزارة، أو من خلال قدرته على بذل الأعمال الفنية الملحمية التي تساعد في بناء المحفزات القومية لتحقيق شعار الحرية، والسلام، والعدالة.
في ظلِ طول المدى الزمني لهجرةِ المبدعين في المجالاتِ التي أبدع فيها “هاشم صديق”، ومع صعوبة عودتهم نظراً للارتباطات الأسرية والعملية، لا بد من الاستفادة من قدرات “هاشم صديق” حالاً، وألّا ننتظر منه أن يهرول نحو المسؤولين لتوظيفه، مثلما يفعل الكثيرون، فمؤسسات مثل كلية الموسيقى والمسرح، وجهازي الإذاعة والتلفزيون تتطلب الاستعانة به لتطويرها بخبراته، أو على الأقل يُعَيّن  في وظيفة مستشار ثقافي لوزارة الثقافة والإعلام، ليكون مُعِيناً للمسؤولين في خططهم الثقافية، على أن تفتح له أبواب المساهمة في تثوير العمل الدرامي، والإعلامي المتصل بمجال تخصصه، واهتمامه.
في ظلِ الفقر المعرفي الذي أصاب مؤسساتنا الثقافية، والفنية، والإعلامية، نحتاج إلى برنامج عمل إستراتيجي لتثوير هذه المؤسسات لتتماشى مع أهداف الثورة، ولا بد أن يسبق ذلك وجود فلسفة لتَوجِه هذه المؤسسات التي لا يزال يتوطن فيها بعض فلول النظام، بينما نجد بعض العاملين فيها غير محكومين بفلسفة الثورة، أو موجهات ثقافية مفصلة عما يجب فعله، ولذلك نعتقد أن تكليف “هاشم” من خلال موقعه كمستشار في الوزارة بإنجاز خطط عملية تحكم مسار العمل الثقافي، والفني، سيكون مكملاً لمجهودات بعض زملائه الذين استعانت بهم الوزارة لإدارة بعض المؤسسات، ولا ريب أن الوزارة بحاجة الآن إلى شخصيات استشارية بخبرات تماثل التاريخ الإبداعي لـ”هاشم” ليكونوا ضمن فرق التخطيط التي تحتاجها الوزارة لتنظيم العمل، وعون الوزير، ووكيل الوزارة.
نُرَشِّح الأستاذ “هاشم صديق” ليكون مستشاراً بالوزارة ليَسْهِم في التخطيط الثقافي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق