شهادتي لله

آخر سنوات “البشير” (9)

بعد نحو عامين من التوقيع على اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) بدا واضحاً للمراقبين أن الجنوب يتجه تدريجياً نحو الانفصال، فقيادته الجديدة الممثلة في الفريق “سلفاكير ميارديت” انسحبت جنوباً ولم تعد معنية بملفات الشمال ولا مهتمة بقضية (الوحدة الجاذبة) ، بينما كان قطاع الشمال التابع للحركة الشعبية يعبث بالشراكة السياسية والتنفيذية بين الحركة والمؤتمر الوطني ويزرع على طريقها الألغام. وغاب فريق (نيفاشا) عن المشهد الذي كان يضم :(سيد الخطيب ، إدريس عبدالقادر، أمين حسن عمر ، الدرديري محمد أحمد، عبدالرحمن الخليفة والمرحوم يحيى حسين) لم يخرجوا منافحين ومدافعين عن اتفاقهم إلاّ قليلاً . كنتُ من أوائل المهاجمين للاتفاقية ، وكتبتُ سلسلة حلقات في جريدة (الصحافة) بعنوان :(السلام المثقوب) ، ثم واصلت نقدي لـ(نيفاشا) في صحيفة (الوطن) عام 2006م، وكان الراحل الكبير الأستاذ “سيدأحمد خليفة” يحتفي بتلك المقالات ويضعها عناوين على الصفحة الأولى. في تلك الفترة كنتُ أتلقى على هاتفي رسائل نصية تشيد بالمقالات من المهندس “الطيب مصطفى” ، لم يكن كاتباً راتباً بالصحف ، كان وزيراً للدولة للإعلام ومديراً لهيئة الاتصالات. ما زلت أذكر رسائله :(تربت يداك .. لا فض فوك .. حفظك الله) .
وتزايد عدد الناقدين لاتفاقية السلام من قيادات المؤتمر الوطني، وتعرض النائب الأول للرئيس “علي عثمان محمد طه” لهجوم مكثف في الصحف وداخل اجتماعات الحزب الحاكم ، وقد تزعم تيار المعارضين له مستشار الرئيس السياسي ومدير المخابرات الأسبق القيادي بالحزب الدكتور “قطبي المهدي” ، ورغم أن البعض أحال هجوم “قطبي” المستمر على نائب الرئيس إلى تراكمات شخصية قديمة في العلاقة بين الرجلين، إلاّ أن البعض الآخر رأى أن الرئيس “البشير” كان راضياً عن خط “قطبي” ومشجعاً له من وراء حجاب ، خاصةً أن الرئيس ومستشاره ينتميان إلى منطقة واحدة هي ولاية نهر النيل التي ينحدر منها عدد مقدر من قيادات الدولة مثل “نافع علي نافع” ، “الزبير أحمد الحسن” ، الراحل”مجذوب الخليفة” ، “علي كرتي”، اللواء دكتور “الطيب إبراهيم- سيخة”، وغيرهم مع اختلاف قبائلهم .
في عام 2007م كنتُ ضمن مرافقي النائب الأول لرئيس الجمهورية “علي عثمان” في رحلة بالطائرة إلى الولاية الشمالية ، وبدأت الرحلة من أقصى الشمال في “حلفا القديمة” ، ثم اتجه الوفد جنوباً لافتتاح عدد من المشروعات الخدمية والتنموية ، نزلنا في “عبري” و”دلقو” ثم توجهنا إلى “دنقلا” بنهاية اليوم الأول للزيارة التي تمتد لثلاثة أيام .
ضم الوفد الصحفي الزميلين الأستاذين “ضياء الدين بلال” وكان يعمل بصحيفة “الرأي العام” ، و”الطاهر ساتي” يمثل جريدة “الصحافة” ، كنتُ وقتها أعمل في وظيفة نائب رئيس التحرير بصحيفة “آخر لحظة” . عانينا من إهمال ظاهر في محطات تلك الرحلة ، حيث كنا وقوفاً في كل البرامج والافتتاحات بينما بقية أعضاء الوفد من الدستوريين جلوساً ، وعندما هبطنا في مطار “دنقلا” قبيل المغرب ، حملت عربات الولايات الشمالية – الـ”كروزرات” الفارهة – السيد النائب الأول والوفد المرافق له في سرعة فائقة واختفت عن أنظارنا، بينما تبقت حافلة واحدة حملتنا مع (العفش) إلى أحد المنازل الحكومية لنقضي فيه ليلتنا . بلغ بي الغضب مبلغاً ، خاصةً أننا فوجئنا بأن المنزل ذاته مغلق الأبواب ، فاضطر سائق الحافلة إلى تسور الحائط القصير ليفتح لنا الباب !! وجدنا أسرة مفروشة في حوش الدار ، استلقى “الطاهر ساتي” مباشرة على أحدها ، بينما كان “ضياء الدين” يشاركني الاحتجاج:(مفروض يحترمونا ويقدروا أنو معانا نائب رئيس تحرير)!! لم أكن في حاجة إلى تحريض ، فاتصلتُ بالمرحوم الأستاذ “مؤمن الغالي” وهو بالمناسبة شقيق الأستاذ الصحافي “مرتضى الغالي”، وهما أبناء أسرة أنصارية في ودنوباوي ، فتزوج شقيقهما الدكتور “عبدالرحمن” من كريمة السيد “الصادق المهدي” الأستاذة “رباح” .
كان “مؤمن” كاتباً راتباً في صحيفتنا “آخر لحظة” ، وكنت أعلم أنه جاء معنا للشمالية ضمن وفد آخر من وزارة الطاقة والتعدين في طائرة تجارية فخيمة استأجرتها الوزارة الثرية ، ولا تشبه طائرة النائب الأول الحكومية البائسة !! كان وزير الطاقة الدكتور “عوض الجاز” يهتم بكتابات “مؤمن” رغم يساريته المعلنة وخطه (الأحمر)، ورغم نقده الكثير لـ(الإنقاذ) إلاّ أن المرحوم “مؤمن” كان كثيراً ما يشيد بإنجازات “الجاز” ، فنشأت بينهما علاقة من على البُعد . سألتُ “مؤمن” عبر الهاتف :(وين أنت ؟!) . قال لي : ( أنا في طائرة وزارة النفط في المطار .. ستقلع بعد نصف ساعة .. والطيارة فاضية) . قلت له :(انتظرونا .. سنرجع الخرطوم معكم) . أقنعتُ “ضياء” و”ساتي” بالعودة إلى الخرطوم دون حاجة للاستئذان من وفد النائب الأول . وبالفعل .. عندما كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً ، كان ثلاثتنا نمرح بسياراتنا في شوارع الخرطوم صوب بيوتنا.
كان لابد من تسجيل موقف قوي يحفظ للصحافة مقامها واحترامها ، وقد اتفقنا على عدم نشر خبر عن قطعنا زيارة النائب الأول والاكتفاء بالموقف . سرت المعلومة في أجهزة الدولة العليا ، وهاتفني مدير مكتب النائب الأول مستفسراً وقلقاً جداً بعد أن سأل منا السيد النائب :(وين الصحفيين؟!) . كما اتصل وزير الدولة بمجلس الوزراء “كمال عبداللطيف” بالزميلين “ضياء” و”ساتي” . وأصدر مدير إعلام الرئاسة وقتها اللواء شرطة “محي الدين محمد علي” تصريحاً قال فيه إن عدداً من الصحفيين خرقوا البروتوكول ، وقطعوا رحلة رسمية للنائب الأول للرئيس ، لكن التصريح تم حجبه في اللحظات الأخيرة بتعليمات عليا. في ذات اليوم كانت طائرة الرئيس “البشير” العمودية تتجه نحو “شندي” ، وكان ضمن الوفد رئيس تحرير “آخر لحظة” وقتها الزميل “مصطفى أبوالعزائم” . في الطائرة اقترب وزير رئاسة الجمهورية الفريق “بكري حسن صالح” من “أبوالعزائم” وسأله بطريقته المعهودة في الدعابة :(شنو حكاية الصحفيين القطعوا رحلة النائب الأول؟!) .
لم يكن “علي عثمان” يحتمل وقتذاك أية ضغوط سياسية وإعلامية جديدة ، فقدرنا أن نكتفي بالموقف وقد وصلت الرسالة .
ومنذ ذلك التاريخ في العام 2007 م ، لم يحدث أن سافرتُ في رحلة لرئيس الجمهورية أو النائب الأول إلاّ ووجدت اسمي وأسماء الوفد الصحفي تزين مقاعد الصف الأول أو الثاني في موقع الزيارة ، حسب البرتوكول ، وقد ارتفع مستوى الاهتمام بالصحفيين المرافقين لرأس الدولة ، حيث خُصصت لهم مقاعد الكابينة الوسطى في طائرة الرئاسة ويجلس فيها عادة وزراء الدولة ومدير مكتب الرئيس ، يليهم في الكابينة الثالثة قائد الحرس والياور ومدير مراسم الدولة وأي قادة عسكريين ، بينما يجلس الرئيس في الكابينة الأولى مع ثلاثة أو أربعة وزراء من أعضاء الوفد ، وكان يفصلنا عنهم باب مفتوح ، نسمع أصواتهم ويسمعون بعض كلامنا .

نواصل غداً .