شهادتي لله

آخر سنوات “البشير”  (10)

أحدثت اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) شرخاً في جدار المؤتمر الوطني، وهزة في جسر الثقة الرابط بين قيادات الدولة، ابتداءً من الرئيس ونائبيه ومساعديه وإلى عضوية المكتب القيادي .
اخترق الغرب الأمريكي والأوربي الدولة التي كانت صخرة صماء في عقد التسعينيات، وذلك تحت ستار دعم ورعاية (مفاوضات السلام في السودان)، وما تزال هذه اللافتة البراقة المتحركة هي غطاء اختراق الكتلة السياسية الحاكمة في بلادنا من زمن “البشير” وإلى عهد الحكم الانتقالي الحالي بقيادة “البرهان” – “حمدوك” .
فبعد أن تراجعت أسهم “علي عثمان محمد طه” في البورصة الأمريكية، ارتفعت أسهم “نافع علي نافع” باعتباره الرجل القوي في النظام عند نهايات الفترة الانتقالية لاتفاقية السلام .
في منتصف يونيو 2011م، كنتُ ضمن الوفد المرافق لرئيس الجمهورية السابق المشير “عمر البشير” في رحلة إلى “أديس أبابا”، للتفاوض مع رئيس حكومة الجنوب الفريق “سلفاكير ميارديت” بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بانفصال جنوب السودان، وقبل ثلاثة أسابيع فقط من الاعتراف به دولةً مستقلةً ذات سيادة بحلول يوم التاسع من يوليو عام 2011م .
موضوعات التفاوض كانت تتركز على ملف منطقة “أبيي” الشائك، والسلام في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق وحسم ترسيم الحدود بين الدولتين .
جرت المفاوضات بين الرئيسين في قصر الإمبراطور “هيلاسلاسي”. كان الرئيس يصعد على “الأسانسير” إلى قاعة التفاوض، ثم يعود مرهقاً يرافقه مدير مراسم الدولة النشط “عاطف عبد الرحمن” إلى صالون ينتظر فيه وفد الحكومة. كنتُ أجلس قُبالة المصعد، وأتفرسُ في وجه “البشير” عندما يمر بنا عابراً إلى داخل الصالون العتيق، فلا أقرأ في ملامحه بشارةً وانفراجة، ولطالما عانى “البشير” في التواصل والتفاهم لست سنوات طويلة مع نائبه السابق، متقلب المزاج.. كثير العناد  “سلفاكير ميارديت” !! تعب “البشير” من “سلفا” وأضناه الجدل مع “الدينكاوي” الفارع دون طائل، فأمر بالاستعداد لرحلة الإياب الخاسرة إلى “الخرطوم”. وبينما كان الوفد يعيش حالة ارتباك، وصلت رسالة عاجلة من السفارة الأمريكية في “أديس أبابا” تفيد بأن وزيرة الخارجية السيدة “هيلاري كلينتون” التي كانت في طريقها إلى إثيوبيا ضمن جولة أفريقية، تطلب اللقاء بمساعد الرئيس الدكتور “نافع علي نافع” !!
اختار الأمريكان “نافع” دون غيره من أعضاء الوفد رفيع المستوى، وقد ظلوا يحرصون على عدم مقابلة “البشير” بعد صدور مذكرة اعتقال ضده من المحكمة الجنائية الدولية في العام 2009م ، رغم أن الولايات المتحدة ترفض التوقيع على ميثاق المحكمة ولا تعترف بها !!
تقول الأوروبية الحسناء وزيرة التعاون الدولي الأسبق في “النرويج” “هيلدا جونسون” التي كانت أهم وسطاء مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية في ضاحية (نيفاشا) الكينية ، تقول في ثنايا كتابها عن المفاوضات: (اتصل الرئيس الأمريكي “جورج دبليو بوش” بالرئيس “عمر البشير” حوالي (10) مرات، أثناء سير مفاوضات السلام لحثه على تجاوز العقبات). كانوا يلهثون وراءه عند حاجتهم الماسة له، فإذا ما نالوا ما أرادوا.. قلبوا له ظهر المجن واعتبروه مجرد مجرم حرب !!
ذهب دكتور “نافع” للقاء “هيلاري كلينتون” يرافقه عضو الوفد، مدير مركز الدراسات الإستراتيجية الأستاذ “سيد الخطيب”. ظل “الخطيب” الرجل الأهم في كل جولات التفاوض في “نيفاشا” قريباً جداً من “علي عثمان”، وهاهو أيضاً موثوقاً جداً لدى “نافع علي نافع” . كان “سيد الخطيب” من كوادر الحركة الإسلامية المعدودة التي ابتعثها زعيم الحركة الدكتور “حسن الترابي” رحمه، للدراسة بأمريكا في سبعينيات القرن الماضي، بترتيب من الدكتور “التجاني أبوجديري” الذي كان يعمل بالمنظمات الدولية، وأجاد “الخطيب” الإنجليزية كأفضل من يتحدثونها في الطبقة السياسية السودانية، كما برع في الكتابة بالعربية، وعمل رئيساً لتحرير صحيفة (الإنقاذ) في مطلع تسعينيات القرن الماضي. ويتميز “سيد” بشخصية قوية واعتداد بالنفس، وزهد في الوزارات، خلافاً لمعظم قيادات الإسلاميين الذين كانوا يحبون المناصب حباً جماً، كان يميل إلى العمل من وراء ستار، وقد حدثني من أثق فيه أن “سيد” قد تعلم اللغة “العِبرية”، كما تعلم “غازي صلاح الدين” الفرنسية على كِبر.
عاد وفد الرئيس من “أديس”، وبقي “نافع” و “سيد” وآخرون في المدينة الجميلة الناعمة، بعد لقاء “كلينتون”. وقد التقت الوزيرة الأمريكية بالرئيس “سلفاكير” أيضاً، وطلبت منه المساعدة في قفل ملف المنطقتين.
بعد أسبوعين بالضبط من التفاوض بين “نافع” و رئيس الحركة الشعبية – قطاع الشمال “مالك عقار”، وقّع الطرفان (الاتفاق الإطاري للشراكة السياسية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية – شمال، والترتيبات السياسية والأمنية في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق) .. كان هذا هو عنوان اتفاق (نافع – عقار) .

نواصل غداً