ربع مقال

“الهندي” وآخر سنوات “البشير”.. !!

د. خالد حسن لقمان

أن يكتب أحدهم موثقاً لأحداث كبيرة أدت لتغيير سياسي كبير في بلد كبير كالسودان بكل تاريخه السياسي المعقد، وحاضره المتفاعل المضطرب، فقط بعد أشهر معدودة من تلك الأحداث الضخمة بما لم يكمل بعد نصف العام.. في تقديري أن هذا فعل لا يمكن وصفه سوى بأنه جريء ومقتحم على نحو مذهل، وهذا ما يفعله الآن الأستاذ الصحفي والكاتب “الهندي عز الدين” مالك ورئيس مجلس إدارة صحيفة (المجهر السياسي) الذي فاجأ الساحة الصحفية المقروءة والوسط الإعلامي عامة بسلسلة توثيقية مثيرة، وجدت متابعة كبيرة ليس فقط من قراء الصحف المقروءة، بل من جميع المتعرضين لوسائل الإعلام الأخرى، خاصة وسائل الإعلام الجديد الإلكترونية، وهو ما يدلل ويؤكد على أن الصحافة الورقية لا زالت في مقدمة وسائل الإعلام الصانعة للأحداث في السودان، ولحدٍّ ما في المنطقة العربية والعالم أجمع.. جاءت سلسلة “الهندي” بعنوان (السنوات الأخيرة لحكم “البشير”) وقد وصل بترقيمه لهذا الحلقات حتى صباح اليوم إلى الرقم (27) .. والجرأة تأتي من جهة أن “الهندي” انبرى لهذه المهمة، ولا زالت أرض الأحداث ساخنة وواعدة، بل لا زال ديكور الفصل الثالث والرئيسي منها على خشبة المسرح لم يصعد أحدهم بعد لتغييره أو تبديل شيء منه للختام الذي يحمله المشهد الثالث من هذا الفصل الأخير، وهذا يعني أن الكاتب الموثق هنا يكتب وعينه على ماضٍ قريب للغاية منه، ومن الآخرين حوله أيضاً، وحاضر يتحرك أمام عينيه، وأمام عيون الآخرين معه ليكمل جزءاً مهماً، وربما رئيسياً من أحداث ذلك الماضي القريب.. لذا فإن مهارة “الهندي” ككاتب موثق لابد أن تكون حاضرة معه وخادمة لأدواته في كل كلمة يختارها، وكل عبارة يصوغها، ويحملها معلوماته وتحليله، ومن ثم رؤيته الشاملة لما حدث، وهذا ما يسميه رجال المعارك بالأرض المبتلة التي تحتاج لمهارة فائقة للتحرك فيها، ولحذرٍ بالغ لتجنب السقوط عليها، وأعتقد أن هذا الناشر الشاب قد نجح حتى الآن في التجول بمهارة فائقة على هذه الأرضية المبتلة، ولعل أكثر ما خدمه في ذلك جملة أسباب أهمها جرأته وشجاعته في خوض هذه التجربة المتفردة التي سبق بها أفكار الآخرين الذين فوجئوا بها تماماً، كما ساعدته في ذلك وضعيته كصحفي متميز وذي ثقل مكَّنه ليكون قريباً جداً من الأحداث وصانعيها ومحركيها.. ولكن المهم في هذا كله ليست مهارات الكاتب وإمكانياته الصحفية، بل في كونه يكتب سلسلته هذه في وضح النهار، وفي ذات زمان الأحداث، وهذه أصدق الأوقات التي توثق فيه الأحداث على الإطلاق، حيث أبطالها حضوراً وشهودها حضوراً، وجمهورها المتابع حضوراً، وهي وضعية مثالية لكتابة تاريخ صادق، ومن كانت له كلمة ما أو تصويب ما، أو رؤية ما، فكاتب السلسلة لا زال مداد قلمه لم يسكب كله على الورق، كما أن أبطال القصة لديهم فسحة الرد والتوضيح والإيضاح وكشف المزيد من المعلومات والحقائق، وهو أمر شديد الأهمية، وأرى ولمعرفتي بأسلوب الكاتب أنه يمثل أحد أهم أهدافه الرئيسية من سلسلته القيمة والرائعة هذه ..

error: المحتوى محمي