ربع مقال

السودان و مصر وأثيوبيا .. حتى لا تنفجر الأوضاع .. !!

د. خالد حسن لقمان

لن يستطيع السودان، ومهما بحث رجال خارجيته وخبراء علاقاته السياسية الإقليمية عن تحقيق معادلة تضمن له علاقات مستقرة بين جارتيه الشمالية مصر والشرقية إثيوبيا، سوى المعادلة التي تضعه وعلى الدوام جسماً وسطاً بين الطرفين، بحيث تكون نقطة ارتكازه من ذلك على تباعد واحد لا ينقص أياً من القطرين اللذين يربطانه بكليهما، ولا يزيد سنتيمتراً واحداً عن الآخر.. هذا هو السبيل الوحيد لحالة مستقرة وعلاقة سوية، ليس للسودان فقط ولكن لمصر وإثيوبيا أيضاً، فمصلحة القاهرة دوماً ترتكز على علاقة (سودانية – أثيوبية) مستقرة، بمثل ما أن مصلحة أديس أبابا في علاقة (سودانية – مصرية) مستقرة على الدوام، ولكي يحدث ذلك فالأمر يتطلب وعياً مصرياً كبيراً بارتباطات السودان الأفريقية العميقة والمتجذرة، بمثل ما يتطلب وعياً إثيوبياً حكيماً بارتباطات السودان العربية العميقة ثقافياً وعقدياً، وكذا علاقاته الأزلية والخاصة مع مصر، وهذا أمر لازم لضمان منع حدوث أي توتر في منطقة حوض النيل الممتدة من منابعه إلى مصبه، مروراً بمجراه، فأي توتر من أي نوع خاصة إذا ما كان مرتبطاً بالثروة والحقوق المائية ستكون له عواقب وخيمة، وأمر كهذا كان بالفعل مستبعداً في مراحل سابقة وفق رؤية بعضهم لعدم شروع أي طرف خاصة من هم على المنبع في أية خطوات على الأرض يمكن أن تثير حفيظة الآخرين، ولكن المشهد الآن يقول شيئاً آخر ببلوغ مشروع سد النهضة مرحلة متقدمة في إنشائه مع وجود التحفظات، بل والاعتراضات المصرية القوية على أهم ما يمكن أن يتحكم في آلية ملء بحيرة السد التي تطالب القاهرة بأن تكون آلية مشتركة بين الدول الثلاث، بمثل ما تطالب بأن تكون قضية الجفاف ومخاطره هماً مشتركاً بين الخرطوم وأديس والقاهرة معاً، ولعل مضاعفات الفشل المتعاقب للمفاوضات المتوالية بين دول حوض النيل، وكذا فشل هذه الدول الثلاث على وجه خاص في تجاوز عقبات التفاوض التي انتهت بانسحاب الأثيوبيين أخيراً من الترتيبات الختامية للوساطة التي قادها الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” بنفسه في واشنطن عبر وزير خزانته، وما جاء عرضاً بعد ذلك بتحفظ السودان تجاه مساندة مصر في دفاعها عن حقوقها المائية عبر الجامعة العربية، وهي المضاعفات التي وضعت القضية المشتركة بين الجميع على برميل من البارود الذي يوشك أن ينفجر، ولن يفلح السودان مطلقاً في أن يلعب دور الوسيط في قضية المياه ومشروع سد النهضة تحديداً، كما حاول بعض مسئوليه الإيحاء بذلك بسذاجة غريبة وبساطة مدهشة، لأن المياه تمثل قضية جوهرية للسودان مثله مثل الدول الثلاث، ودول الحوض أيضاً، كما أن قضية سد النهضة بطبيعته وتأثيراته المعلومة التي لا زالت خفية تضع الخرطوم الآن في مقعد مسئولية تاريخية كبيرة لمعالجة التفاعلات المحتملة وغير المرغوبة بين القاهرة وأديس أبابا بما يقصي أية احتمالات، ولو كانت ضئيلة لانفجار ذلك البرميل الذي إذا ما انفجر فستكون العواقب بالفعل وخيمة وخطيرة؛ لذا فعلى السودان أن يدرك الآن دوره تماماً بدقته وخطورته وخياراته المحدودة التي تتطلب منه موازنة دقيقة وذكية بين حفظ خارطة العلاقات بين الدول الثلاث (وفق تلك المعطيات المصيرية وتلك المعادلة) وبين تحقيق مصالحه وعدم التفريط فيها على وجه الإطلاق ..

‏‫

error: المحتوى محمي