الاعمدةرأي

إمام محمد إمام يكتب : الشريف ود بدر من غياهب السجون إلى رحاب المنون

بحصافة

الشريف ود بدر من غياهب السجون إلى رحاب المنون

إمام محمد إمام
[email protected]

تُوفي إلى رحمة الله تعالى فجر يوم الخميس 14 مايو (إيار) 2020 الشريف أحمد عمر ود بدر كأحد ضحايا العدالة الغائبة، في دولة آلت إليها مقاليد الأمور بثورة جعلت شعارها ” حرية.. سلام.. وعدالة”! فإن تخيلنا أن هذا الشعار، جاء كمثلثٍ متساوٍ الأضلاع، وأن العدالة هي الضلع المركوز عليه الضلعان، الحرية والسلام. فالشريف أحمد عمر بدر كان في غياهب الحبس، يبحث عن العدالة، وهو قابع في السجن ينتظر تقديمه إلى المحاكمة.
لم يكن يظن الشيخ الطيب العباس الجد، حسبما جاء في خطابه، أن التماسه إلى جهات الاختصاص، في ما يتعلق بمعالجة قضية الشريف أحمد عمر بدر، لا يجد أُذناً صاغيةً، لما أعتاده من استجابة لمناشداته ورجاءاته في العهود المدنية والعسكرية، ولما له من نفوذ ديني، وأتباع كُثر. ولم يكن يحسب أن هؤلاء لا يُراعون مثل هذه الأصول والتقاليد السودانية!
ولم تقنط أسرته من رحمة الله التي وسعت كل شئٍ، فبذلت ما في وسعها لإخراج ابنها من السجن ولو مؤقتاً، بعد أن علمت أن ابنها مصابٌ بأعراضٍ مختلفةٍ، فبذلت ما بوسعها لعرضه على الأطباء، وبعد لأيٍ وافقت النيابة على أن تسمح له بعرض حالته على أطباءٍ في مستشفى يستبشرون، فأُجريت له الفحوصات اللازمة حسب البرتوكولات العالمية، بما فيها الأشعة المقطعية، حيثُ أظهرت الفحوصات أن المريض، يقع في خانة المُشتبه فيهم بالإصابة، ووفقاً لبروتوكول وزارة الصحة أُخطرت لجنة الوبائيات، ثم نُقل المريض إلى مستشفى مساوي بالشرطة. ولقد مكث داخل السيارة في طريقه إلى ذلكم المستشفى زهاء الست ساعات، ومنها أُخذ إلى منزله، وبدأ العلاج تحت إشراف ابنته الطبيبة، ولكن النيابة داهمت المنزل، وأخذته قبل أن يُكمل العلاج إلى منزلٍ مهجورٍ، ليس به منافع، وليس به أبواب ونوافذ، ليقضي فيه ساعات أخرى!
ولخوف النيابة من أنه سيهرب أو يُهرب، أخذته قسراً إلى مستشفى الخرطوم، ولكنه لم يبقَ هنالك، ليُحول إلى الحجر الصحي لمصابي ومشتبهي الكورونا في منطقة ما لعلها جبرة! وهكذا لقي الشريف ود بدر ربه، كأكبر دليلٍ على إهدار وانتهاك حقوقه الإنسانية! وهكذا مات الشريف ود بدر كأحد ضحايا انتهاك حقوق الإنسان في سودان الثورة!
فكان الراحل الشريف ود بدر أحد ضحايا جائحة فيروس الكورونا، وهو في حبس تتخالط فيه الأنفاس، فمصيره إلى الكورونا أقرب في زحمة رفقاءٍ خمسةٍ، لا يعلم أحد ما بهم من أدواء!
لم تكن تدرك أسرة الشريف أحمد عمر بدر أن التماسها من معالي النائب العام الحبر الأعظم، بجعل ابنهم بينهم حبيساً، يراقبه عسكرٌ منهم غلاظ. ولمّا لم يستجب معالي النائب العام، طرقوا معه سبيلاً آخر، بأن يؤجروا له شقةٌ من حرِّ مالهم، ويحرسه أغلاظٌ منهم، كل ذلكم، في سبيل الحفاظ على صحته المتدهورة، وسلامته من الكورونا غير المأمونة. وبعد جُهد جهيد جاءتهم الموافقة المشروطة!
ولكن سرعان من نكص معالي النائب العام من تعهده، حسب بيان الأسرة الذي صدر في الأيام القليلة الماضية، حيثُ أعادوا الشريف إلى محبسه، دون علاجٍ أو عزلٍ! إذ أنهم في حقيقة الأمر، عجلوا نقله من القضاء المؤجل (المرض) إلى القضاء المبرم (الموت)، حسب رأي جمهور الفقهاء، واتفاق أهل النطاسة والطبابة.

وفي رأيي الخاص، أكدت وفاة الأخ الشريف أحمد عمر بدر، أن الانتقام السياسي الذي واجه الراحل هو ذات الانتقام السياسي الممنهج الذي يواجهه آخرون في غياهب السجن دون محاكمات أو ضمانات، لا يُحقق عدالة الشعار، ناهيك عن عدالة الشرع والقانون. وإن كانت الثورة في حجاجها تنشد بسط العدل، وصون حقوق الإنسان، فأين الحقوق الإنسانية للمعتقلين الذين حُرموا من المشافي والعلاج؟! فنحن مع العدل ودولة القانون، حقيقة منزلة، وليس شعارات فضفاضة! فمَن أذنب، فليحاكم بجريرته أمام عدالة غير مسيسة، ولا رغبة بعضهم في الانتقام، باعتقالات تعسفية، تُفضي إلى خلق مرارات، السودان في غنىً عنها.

لم تجد التماسات ورجاءات أسرته ومحاميه لدى معالي النائب العام الحبر الأعظم، لتحويله بعد مُضي أكثر من ستة أشهرٍ إلى مكانٍ يعصمه من الكورونا، ويتلقى فيه العلاج والرعايا الصحية المناسبة. وظلت الجهات المختصة تتغافل عن حالته الصحية المتدهورة، إلى أن سقط صريعاً، مُلبياً نداء ربه.

أخلص إلى أنه من الضروري، أن تراعي الجهات المختصة، لا سيما معالي النائب العام، الحالات الصحية للمعتقلين السياسيين، حتى لا تُتهم هذه الجهات العدلية بتسييس العدالة، وخلق مرارات، قد تقود البلاد والعباد إلى ما لا يُحمد عقباه.

ألا رحم الله تعالى أخانا الشريف أحمد عمر بدر، رحمةً واسعةً، وأنزل عليه شآبيب رحمات الله الواسعات. وتقبل الله تعالى الشريف ود بدر قبولاً طيباً حسناً، وألهم آله وذويه وأصدقاءه وزملاءه وعارفي فضله الصبر الجميل.

خالص التعازي، وصادق المواساة، إلى الشيخ الجليل الطيب العباس الجد، شيخ مشيخة العبيد ود بدر في وفاة الأخ الشريف أحمد عمر بدر. أسأل الله تعالى أن يُلهم الشيخ الطيب الجد ومريديه، في هذا الفقد الجلل، الصبر والسلوان.

ولنستذكر معاً في هذا الصدد، قول الله تعالى:

“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖوَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ”.

Sent from my iPhone

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
error: المحتوى محمي